محمد الحرز
تحت مظلة السؤال التالي: كيف تنشر كتابا؟ يمكن أن يتحدث عن جملة من القضايا التي لا تذهب باتجاه الناشر وحده , ثمة من هو متورط في هذه القضايا من العمق. الكاتب أو المؤلف, المؤسسات الثقافية والتعليمية, طبيعة العلاقة التي تحكم المجتمع في تصوراته عن الكتاب وأهميته, وأهمية طباعته. ثقافة الكتاب أين يمكن وضعها في السياق العام للثقافة المحلية, وعي الناشر بأهمية موقعه في الإنتاج الثقافي إزاء وعيه بأهمية موقعه في الإنتاج الثقافي, كذلك إزاء وعيه بأهمية الربح والخسارة في الإنتاج نفسه. سياسة النشر والاستراتيجيات المتعلقة بها باعتبارها مشاريع كبرى تمس مؤسساتنا الرسمية بالدرجة الأولى . جميع هذه المسائل هي مجرد مسارات متعرجة يختبئ أغلبها في متاهة السؤال نفسه . لكنّ التساؤل هنا هو أي كتاب نعنيه؟ وأي ناشر كذلك؟ . لقد تعددت الوسائط في النشر, ولم يعد الكتاب الورقي , في عالم متحول وسريع في إنتاج المعلومة ونشرها , هو وحده يصول ويجول في السباق, بل يمكن القول إن ثقافة جيل بأكمله قد ولد وتربى على ثقافة بصرية , من أهميتها بمكان بحيث أصبحنا نصغي لمقولات تزلزل مفاهيمنا عن الثقافة من العمق, كمقولة موت المؤلف, أو انحسار درجة تأثير الكتاب الورقي على المتلقي إلى حدوده الدنيا, إلى غيره من تلك المقولات. ربما كان ذلك صحيحا, وحتى بديهيا في عالم اليوم . لكننا بالتأكيد ما زلنا نراهن على وجود الكتاب ماديا , رغم أهمية الوسائط الأخرى في عملية النشر والتواصل الثقافي بين فئات المجتمع, وذلك لسبب بسيط يتمثل في كونه ذاكرة تراثية هي وثيقة الصلة بتاريخ الإنسان نفسه, والإحساس بهذا التاريخ وقيمته, لا يعادله سوى الإحساس بثقل الكتاب وحضوره في حياتنا اليومية , وما بين الإحساس والحضور يكون الكتاب قد فرض حياته الخاصة علينا بامتياز. تاريخ الكتاب هو تاريخ الإنسان نفسه, المطابقة تعني نوعا من الاتصال, لكنه اتصال ترميزي يجعل من التاريخ يعي ذاته بواسطة تلك الرموز. لقد أبرزت الدراسات الفيلولوجية التاريخية في الخطابات الاستشراقية طابع الأهمية القصوى لذلك الاتصال. فقد كانت الوثيقة التاريخية تكمن أهميتها للمؤرخ ليس انطلاقا من كونها مفتاحا لدراسة وقائع الماضي وأحداثه فحسب. لكنها تمثل استمرار الإنسان في التاريخ من العمق . وهذا الاستمرار هو سر قداسة التاريخ الذي يحظى به في أذهان البشرية وإنتاجهم المعرفي. لكن السؤال الذي يبدو لي له وجاهته فيما يتعلق بهذه النقطة بالتحديد , أي نقطة فقدان تلك القداسة بسبب فقدان تلك الصلة أثرها بين الكتاب الورقي من جهة وبين الإنسان والتاريخ من جهة أخرى. السؤال هو أين مكمن التحولات التي فتحت الباب على مصراعيه لجملة من التباينات بين ثقافة الكتاب المادي من جهة وبين تعدد الوسائط الثقافية الأخرى من بصرية وسمعية وانترنتية من جهة أخرى؟ الإجابة تكمن كما يبدو لي في أزمة الثقافة نفسها في علاقتها بعالم التقنية المعولمة في الاتصالات. هذه الأزمة تعني فيما تعنيه عند بعض المفكرين ليس في كون النص الإلكتروني يلغي النص الورقي, وإنما يكمن في السؤال التالي كما يورده عبد السلام بن عبد العالي» ما التحولات الكبرى التي تعرفها مفهوماتنا الأساسية نتيجة اكتساح الصورة؟». لقد أوجدت الطفرة الإعلامية عالما يصعب فهمه من خلال المفاهيم والتصورات التقليدية التي ورثناها . لم يعد بالإمكان فهم ما يجري في العالم بمفاهيم ميتافيزيقية ذات التقابل الثنائي من قبيل الخير المطلق والشر المطلق, ولا بالإمكان تأسيس علاقات اجتماعية خارج إطار تأثيرات هذه الطفرة. لقد تضاءل دور المكان ليغدو الزمان هو كل شيء. وتكنولوجيا نقل المعلومات بدورها قلصت العالم وجعلته مجرد نقطة تتقاذفه المعلومات من كل مكان. لذلك ظهرت أنماط جديدة في العلاقات والتصورات والإدراكات بين الناس وبينهم وبين إدراكهم العالم من حولهم.» فتزاحم الصور وتشابك القنوات التي تنقلها يولدان اليوم رؤية بلورية للواقع تبدل تمثلاتنا وحساسيتنا , وتتيح لمخيلاتنا العمل في فضاءات جديدة». هذه الرؤية البلورية هي نتيجة طبيعة في كون الإنسان وهو « أمام الشاشة الصغيرة يدرك العلائق ويربط ويفهم ويتذكر بكيفية مخالفة تمام المخالفة لما يقوم به وهو أمام نص مكتوب . ولعلنا اليوم نقتنع , أكثر من أي وقت مضى , أن الصورة تتيح نمطا مخالفا لبلوغ المعرفة والتمكن منها . إنها أقوى بلاغة وأكبر قدرة على تكثيف المعاني وعرضها ونشرها». إذا المسألة تتجاوز كونها محصورة بين نوعين من الكتابة , بل أصبحت المسألة مرتبطة أشد الارتباط بثقافتين تتنازعان الإنسان المعاصر من العمق , وتقذفانه في متاهة من التناقضات والتحولات السريعة. ثقافة الصورة وثقافة الكتاب هما ثقافتان رغم التنازع الذي يراه المرء ظاهريا في علاقة الواحدة بالأخرى , إلا أن الرهان على الفكر الإنساني في تجاوز أزمة هذه العلاقة بين الاثنتين يظل مفتوحا على المستقبل , ولا شك في أن دراسات الفلاسفة جان بودريار وديلوز وإدغار موران تأتي ضمن هذا الإطار.