محمد العصيمي
بل أحزن لأنك من أمة تبدد الوقت مثل بقايا المائدة .. لا قيمة للوقت في أمتك المعاصرة إلا بقدر ما يذهب أدراج الرياح عبر الأيام التي تطوى، ونحن نلعب أو نلهو أو نستهتر بأوقات عملنا وإنتاجيتنا.. لم يحدث أن رأيت مجتمعا آخر غير المجتمع العربي يتعامل مع الوقت وكأنه يسكن محفظته : يخرجه متى يشاء ويدخله متى يشاء.اسألوا أهل الدوائر الحكومية عن ذلك : في دمنهور والطائف وطنجة والخرطوم يأتي الموظف، إذا بكر في التاسعة، ويتوضأ لصلاة الظهر قبل موعد الأذان بساعة، ويقضي في الصلاة نصف ساعة، وربما يستمع لوعظ عابر بعد الصلاة لنصف ساعة، ويعود لمكتبه محملا بالضجر من المراجعين الذين ينتظرون طلته البهية، ثم يجمع صحفه وأوراقه وينصرف قبل الموعد بساعة.. يفعل ذلك كل يوم : ساعتان فقط هما مسافة ما يسميه عملا بين قدومه الميمون وهروبه من مكتبه..!!أما إذا تحدثت عن الشباب، عماد ومستقبل الأمة، فحدّث ولا حرج. أوقات هائلة مهدرة في المراكز التجارية وأكتاف الشواطئ ومجالس الضحك على ذقن الوقت .. أكياس هائلة محملة بالسيوف (الوقت كالسيف) تلقى في مرمى النفايات دون أن يرف لنا جفن أو يتحرك فينا أحد ليقول : اتقـوا الله ، واحترموا وجودكم في تعاملكم مع الوقت. جربوا النظر للإنسان الياباني أو الصيني إذا تعلق الأمر بالوقت والإنتاجية .. تهتم المدرسة اليابانية بتعليم الأطفال الانضباط، واحترام الوقت وتقديسه، والإخلاص في العمل وانتاجيته. . وبينما لا يجوز للياباني الطالب أن يطأ ظل أستاذه إذا سار أمامه أو إلى جانبه، لا يطأ العامل الياباني ظل الوقت احتراما لأمته التي ترفع من قدره بقدر ما يرفع من قدرها باحترامه لقيم وجودها، التي من أهمها وضع كل دقيقة في مصرفها الصحيح. ولذلك جاز أن نقرأ خبرا سابقا عن ذلك الياباني الذي قفز من النافذة إلى مكتبه ليعمل عندما أغلق المصنع أبوابه في إجازة .. شيء لا تتخيله المخيلة العربية المعاصرة، التي أخذت هذا الخبر على محمل التنكيت وقارنته بالتقارير الطبية العربية المزورة للموظفين الذين يتهربون من واجباتهم كلما سنحت فرصة لذلك.الأمم التي لا يحترم إنسانها الوقت لا تتقدم، بل هي مثيرة للأسى والحزن على أحوالها التي تتردى يوما بعد آخر .. ولذلك أصبحت أمتك، يا أخي العربي، الموهوم والموسوم بالتخلف في ذيل قائمة الأمم، بينما هي تتبادل نخب الكلام والترهات كل يوم من على الشاشات التي يبتكر أطوالها القابعون بالساعات الطوال في المعامل والمصانع.سبب كبير يهدد بإرسالنا، نحن أمة العرب، إلى مزبلة التاريخ .. ذلكم هو طريقة إحساسنا بأهمية الوقت واحترامه وتقديسه .. وما لم نتدارك حالنا مع صاحب الجلالة الوقت، فإننا سنزداد تراجعا وسيشتد حزننا، لكنه سيكون حزن الأرامل على المفقودين الأعزاء .. إذا قتلنا الوقت قتلتنا الحياة.osaimin@yahoo.com