محمد الحرز
يتساءل المفكر المغربي عبد السلام بنعبد العالي في مقالته» الثقافة العربية في مرآة الآخر» الواردة في كتابه» ضد الراهن» عن العلاقة التي تربط الثقافة العربية المعاصرة بآخرها ؟ يقوده هذا السؤال إلى سؤال آخر يراه وثيق الصلة به , ولا يتجاوزه إلى غيره. لأن فيه كشفا عن أسئلة ضمنية لا زالت تلقي بثقلها على أسئلة الأزمة في الثقافة العربية المعاصرة نفسها. فمن خلال الرصد التاريخي يطرح التساؤل التالي:ما هي العلاقة التي ربطت الثقافة العربية قديما بغيرها من الثقافات ؟ حيث يستشهد بنصين تاريخيين كمقدمة للإجابة عليه,» أحدهما مأخوذ من المناظرة المشهورة التي نقلها أبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة والتي جرت بين المنطقي متى بن يونس والنحوي أبي سعيد السيرافي, والآخر مأخوذ من شذرات لف شليجل». النص الأول يعالج كما هو معروف قضايا النقل والترجمة من لغة إلى أخرى , من اليونانية إلى العربية , والموقف من علوم اليونان وخصوصا الحكمة والفلسفة. خلاصة المناظرة تكمن في قول أبي سعيد :إن علم العالم مبثوث في العالم بين جميع من في العالم», وذلك في معرض رده على متى بن يونس حين لمح منه تعصبا وهوى لعقول اليونان وحججهم وبراهينهم. وهذا قول يشير بدلالة قاطعة إلى موقف الثقافة العربية الإسلامية من التثاقف مع الآخر من العمق, وهو موقف يتسم بروح الانفتاح, والنظر إلى العلم باعتباره فضاء مفتوحا لا يسعه مكان أو أفق أو حدود, بغض النظر عن هوية حامله أو جنسه أو ثقافته. هذا الموقف يرجعه المؤلف في مقالته سالفة الذكر إلى علائق القوة التي كانت تحكم الثقافة العربية الإسلامية بغيرها من الثقافات, وهي علائق تتجلى وظائفها في عملية دمج ثقافة الآخرين عن طريق الترجمة في الثقافة العربية, حيث سرعان ما تصبح ثقافة الآخرين جزءا منها , وتكتسب هويتها وشهرتها من جراء الاستلحاق والاستتباع الذي تمارسه عليها قوةُ الثقافة العربية في تلك الفترة واتساع هيمنتها . وتدعيما لهذا التحليل يرجع المؤلف إلى نص مهم للجاحظ في كتاب الحيوان يقول فيه» وقد نقلت كتب الهند وترجمت حكم اليونانية وحولت آداب الفرس . فبعضها ازداد حسنا وبعضها ما انتقص شيئا . ولو حولت حكمة العرب لبطل ذلك المعجز الذي هو الوزن , مع أنهم لو حولوها لم يجدوا في معانيها شيئا لم تذكره العجم في كتبهم التي وضعت لمعانيهم وفطنهم وحكمهم». ليدلل من خلاله على طبيعة العلاقة الاستلحاقية التي ربطت الثقافات الأخرى بالثقافة العربية الإسلامية. فالجاحظ هنا حسبما يشير المؤلف يؤكد على الأهمية القصوى لترجمة كتب الهند وحكم اليونان إلى اللغة العربية, لأن الترجمة إليها تؤمن لهذه الكتب والحكم والآداب الانتشار والتفاعل والثراء في التأويل وإنتاج المعنى, وبالتالي تصبح جزءا من الثقافة العربية الإسلامية من جراء هذا الدمج الخلاق. لذلك عندما استلحقت « كليلة ودمنة» في الثقافة العربية الإسلامية أصبحت أصلا , حيث اعتمدت نسختها العربية كأصل في ترجمتها إلى اللاتينية والانجليزية والفرنسية, ويمكن سرد أمثلة كثيرة سواء في الأدب أو الفلسفة أو في السياسة وغيرها من حقول المعرفة المختلفة.هذا الملمح في الإدماج واعتباره كأصل بعد الترجمة أشار إليه « لف شليجل « في شذراته كما يقول المؤلف» يتسم العرب بطبع مجادل إلى أبعد الحدود. فهم من بين الأمم جميعها أكثر قدرة على النفي والإتلاف . ما يميز فلسفتهم في روحها هو ولعهم المرضي بإتلاف الأصول والقضاء عليها بمجرد أن تتم الترجمة». وليس ما يعنيه شليجل بإتلاف الأصول سوى قدرة الثقافة العربية على امتصاص كل ثقافة تتفاعل معها من خلال تلك الترجمة, ومن ثم إدماجها في النسيج العام لمكوناتها الثقافة. وبالتالي تصبح الثقافة العربية هي الثقافة الأم وهي المرجع, وما عداها لا ذاكرة له. ولكن حينما تكون الترجمة بالعكس , أي من العربية إلى اللغات الأخرى, يتعذر النقل, ليس بسبب خاصية الوزن كما يفهم من نص الجاحظ.ولكن بسبب كون اللغة العربية هي لغة الثقافة الرئيسية في تلك المرحلة من التاريخ. وإذا ما جرت محاولات ترجمة نصوص عربية إلى لغات أخرى فإن فائدة الترجمة والتفاعل تتلاشى حسب الجاحظ , لأن القارئ الحقيقي الحامل للطاقة والتفاعل والحيوية – كما يشير عبد السلام بنعبد العالي- هو الحامل للغة العربية بعلومها وثقافاتها مهما كان جنس هذا القارئ أو هويته. إذن المفعول الإيجابي للترجمة يصب في اتجاه واحد , أي من الثقافات الأخرى إلى الثقافة العربية. أما العكس فيصبح مفعولا سلبيا. هذه المعادلة هي نتيجة علائق القوة التي حكمت ثقافتنا الإسلامية بغيرها من الثقافات قديما. لكن ما هي حال ثقافتنا المعاصرة؟. يرى المؤلف أن ما يحدث الآن هو العكس تماما . أي أن المفعول الإيجابي في التفاعل الثقافي من خلال الترجمة يتم عبر نقل الآداب والعلوم العربية إلى اللغة الانجليزية لغة الثقافة المعاصرة . هذا النوع من التفاعل يدل في عمقه على أزمة, يربطها المؤلف بمفهوم المقارنة, فلا « نقرأ إنتاجنا الفكري إلا مقارنين مترجمين, لا نقرأ حي بن يقظان إلا بحثا عن روبنسون كروز, ولا اللزوميات إلا لربطها بشوبنهاور, ولا المنقذ إلا بحثا عن ديكارت,ولا المقدمة إلا بحثا عن كونت».