محمد العصيمي
بل احزن لأنك من أمة لا يسير إنسانها إلا وخلفه إنسان آخر يرقب أفعاله وتصرفاته وأفكاره وهواجسه الداخلية والخارجية. الوصاية على الآخرين طبع عربي مقيت يتعاظم بتعاظم أسباب التخلف والفراغ الفكري.. ويوم كان الناس يفكرون ويتصرفون بحرية، في العصور العربية الزاهرة الغابرة،كانت المكتبة العربية تحفل وتحتفل بكل ما هو سائد وما هو ضد السائد من القول والفكر والشعر والجرأة على الموروث. لم يكن هناك حجر على الأخبار ولا رقيب (إعلامي) في بلاط الخليفة في بغداد أو بلاط السلطان في مراكش.الازدهار رهن بحرية الفكر والتصرف، والتخلف رهن بمكبرات صورة الآخر وطرق الأذهان حتى تصبح بمقاس واحد متساوي الطول والأضلاع والأفكار. حين لا يكون هناك فرق بين ذهن وذهن تتحول الدنيا كلها إلى أوان متماثلة تنضح نتائج متماثلة، وبالتالي لا يعود لهذه الدنيا طعم ولا لون ولا حاضر ولا مستقبل.أنت لا بد أن تحزن لأن فكرك مشروط وطعامك مشروط وشرابك مشروط وطريقة لبسك مشروطة وحتى خروجك إلى الشارع مشروط بمحددات يسمونها أحيانا التمايز وأحيانا الخصوصية. دعاوى يبدو في ظاهرها الحق لكنها تبطن كثيرا من الباطل لو خضعت للتفكير والتمحيص وتدبر ما تفضي إليه من تخلف الأمة وهوانها على باقي أمم عصرنا.إذا كنت قد جربت السير في شوارع لندن أو كوالالمبور أو طوكيو فلابد أنك جربت ببساطة خلو الشوارع من الوصايات. الناس في شوارع العالم الحديث يسيرون مع أنفسهم ويمضون إلى غاياتهم، بينما في الشوارع العربية يتحرك الناس ببطء شديد ليراقبوا الناس: كيف يسيرون وماذا يلبسون وهل في أيديهم شيء مما يقدح بالمروءة.؟ والأنكى أنه يمكن إرسالك فورا إلى جنة الخلد أو جهنم وبئس المصير. الأحكام معلبة وجاهزة للاستهلاك والأذهان من مدينة عربية إلى أخرى تأكل الحصرم والنفوس تضرس وتتأزم وتصاب بالعلل السوداء والتصرفات الهوجاء.ليس ثمة أمل في أمتك، يا أخي العربي، إذا كانت ستعد التخلف تمايزا والتأزم والتشدد خصوصية. لكل أمة تمايزها وخصوصيتها، لكن الفرق أن تمايزاتهم وخصوصياتهم مرهونة بذواتهم وبما يتفقون عليه، حتى اتفاقهم على حق الاختلاف. أما أمتك فقد رهنت نفسها لاتفاق (متفق عليه) أنتجت منه خصوصيتها وبات المختلف من الناس منبوذا ومغضوبا عليه. ولذلك جاز أن تكون أمتك في ذيل الأمم وأن يصبح كل ما لديها في القاع، قاع مكتسبات عصرنا.. وما عدا ذلك هو مجرد تهويمات وأوهام ومسكنات، فلا نحن الأولون ولا نحن الأخيرون. نحن أقل من ذلك ولذلك لابد أن يشتد حزننا وتتعاظم كآبتنا.وفقنا الله. osaimin@yahoo.com