محمد الحرز

محمد الحرز

باسم الواقعية السياسية التي يلوح بها معظم المحللين السياسيين العرب خصوصا الذين يطلون علينا من العواصم الغربية بوصفهم يمثلون الحيادية والموضوعية في الوصف والتحليل,وكذلك يملكون القدرة على تشخيص الداء ووصف الدواء بكل ثقة واطمئنان.باسم هذه الواقعية إذن يتم النظر إلى قضايا المشرق العربي الساخنة وكأنها بيادق في لعبة شطرنج يتحكم فيها ما يسمى النظام الدولي وقوانينه , وموازين القوى, وليس كأنها تاريخ معقد من الأحداث والوقائع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية المتداخلة فيما بعضها البعض, والتي معها يصعب الحديث عن تداعيات ما يجري في العراق بمعزل عن الأحداث التي تجري في لبنان أو غزة أو فيما يخص الملف النووي الإيراني وتجاذباته على الساحة الدولية. وكل حديث وتحليل سياسي يفصل هذا الملف عن ذاك فهو ليس بريئا على المستوى السياسي, هو يبدو لي نوعا من الأحاديث السياسية التي تبيع الوهم لتحرف الحقائق عن مسارها الطبيعي سواء جاء ذلك بوعي أو بدونه, لا يهم ما دامت النتائج واحدة.هناك وحدة بالتأكيد رغم ما تفرزه هذه الأحداث من تنوع, هو ظاهريا فقط . نحن نعلم تماما أن تلك الواقعية السياسية التي يتكئ عليها معظم المحللين والكتاب الغربيين ومن دار في فلكهم من المحللين العرب ليست شيئا آخر سوى الاستسلام لإرادة سياسية غربية تريد السيطرة على مقدرات شعوب المنطقة وثرواتها. وهي إرادة سياسية منزوعة القيم والأخلاق, ما زالت تسيطر على الخطاب السياسي الغربي, وتوجه سلوكه من العمق.لقد عاشت أوروبا رعب حربين عالميتين , ثم حربا باردة تغيرت فيها الاستراتيجيات , وتبدلت القناعات والقيم السياسية , وأصبحت الأخلاق الاجتماعية خارج نطاق حسابات السياسة والاقتصاد مجرد وهم في التقاليد السياسية الفكرية الغربية. يقول أحد كبار المفكرين في حقبة الحرب الباردة وهو كاستورياديس أنه « ليست هناك أخلاق تقف عند الحياة الفردية. فبمجرد أن توضع المسألة الاجتماعية والسياسية فإن الأخلاق تصبح متصلة بالسياسة». بالتأكيد هناك تاريخ طويل من التقاليد الفكرية السياسية الغربية من المدرسة المكيافيلية إلى الليبرالية الجديدة والمدرسة البراغماتية , كانت وما زالت تعتبر أن تحقيق المصلحة السياسية وتجسيدها هو تجسيد للحق, ووسائل التحقيق هي القوة بجميع أشكالها. وحين ننظر إلى أثر هذه السياسية على الواقع السياسي العربي, ماذا نجد؟ لا شيء سوى سلسلة من الهزائم والاحباطات. فمنذ اتفاقيات كامب ديفيد التي دشن السادات فيها حقبة السلام مع الكيان الصهيوني تحت وطأة تأثير هذه السياسة التي ترى ضرورة الأخذ بمبادئ موازين القوى, وبالتالي الخضوع لشروط هذه القوى غير المتكافئة بين العرب وإسرائيل تسمى الواقعية السياسية , وأحيانا العقلانية في الممارسة السياسية. نفس السياسية نجدها في اتفاقيات أوسلو برعاية سلام أمريكي. إن السقوط في هذا الفخ السياسي أدى فيما أدى إليه إلى شل الإرادة السياسية الجماعية للعرب, وتكبيل فعلها السياسي باتفاقيات ومعاهدات دولية, لم تجلب يوما ما حقوق الشعب الفلسطيني, ولم تمنع الاحتلال الأمريكي للعراق , ولا العدوان الإسرائيلي على لبنان في حرب تموز, ولا حصار غزة وقتل الأطفال والنساء. الآن في الساحة السياسية العربية يحدث نوع من الاصطفافات والاستقطابات الثنائية , التي لا تترك خيارا آخر سوى أن تكون ( مع أو ضد) . في لبنان مع الموالاة أو المعارضة , في العراق مع الطائفية السياسية أو المقاومة المشروعة وغير المشروعة, مع مشروع الدولة أو مشروع الفيدرالية الطائفية , في فلسطين مع حركة حماس أو منظمة السلطة الفلسطينية فتح . مع محور المشروع الأمريكي في المنطقة أو مع دول محور قوى الممانعة لهذا المشروع. لا شك أن هذه التجاذبات هي نتاج تراكم أخطاء تاريخية وقعت فيها السياسية العربية دون أن نلقي ما للأثر الخارجي الاستعماري من فاعلية في وصول هذه السياسات إلى هذه الحالة من التشرذم والسلبية وقلة المسؤولية ,وتقديم المصلحة الفئوية على المصلحة العامة. هذه الأخطاء يحيل أسبابها البعض إلى فقدان الوطن العربي للديمقراطية وحرية التعبير, وفشل مشروع الدولة الحديثة . أما البعض الآخر فيحيلها إلى فكرة المؤامرة على الأمة الإسلامية , والهجمة الصليبية على ديار الإسلام . سواء كان هذا أو ذاك , لسنا هنا في وارد النقاش في هذه الموضوعة . إن خلاصة ما نريد أن نقوله هو : أن المفارقة التي نعيشها اليوم جراء تلك الأخطاء المتراكمة هي كون العلاقات السياسية بين دول العالم تتجه الآن إلى الوضوح والعلن, وتعاطي الدول مع شؤونها العامة تحت مظلة القوانين الصريحة التي لا لبس فيها , وتحت مرأى الإعلام والصحافة , نجد أنفسنا نحن كعرب في علاقاتنا السياسية ما زلنا متواطئين مع الازدواجية في التفكير السياسي. لأنها في غالب الأحيان تحمي الطبقة السياسية من تبعات المسؤولية من جهة , وتجعل من جهة أخرى مسألة تغيير الواقع السياسي العربي مجرد وهم يعتاش عليه المستفيدون والمتطفلون على السياسية بامتياز, في رؤية ضيقة للمصالح الكبرى للأمة العربية.