محمد الحرز
لا أعلم من أين تسللت إلى ذهني فكرة الارتباط العضوي بين تصوري للكتابة من جه, وبين الملامح العامة للطقوس المصاحبة لها من جهة أخرى؟! ربما بسبب قناعتي الفكرية التي تضع مفهومي الإدراك والتصور موضع الرافعة التي تنهض عليها جميع ممارساتي الكتابية بما فيها العادات والطقوس الملازمة لهذه الممارسة. أو ربما بسبب كوني واحدا من الكتّاب الذين ينظرون إلى الكتابة بوصفها طريقة حياة يصعب على الكاتب إذا ما تلبسته من العمق أن يتخلص من الشعور أو الإحساس بهالتها القدسية التي تشبه قدسية الآلهة, كلما أراد أن يقترب من لحظة الكتابة ذاتها. إنه نوع من التماهي يأخذني إلى مناطق أشبه ما تكون ضبابية , لا أتعرف فيها أين موضع حياتي من موضع الكتابة! أو ربما كان العكس. هذا الشعور يزيد من قلق الكتابة لدي كلما تورطت أكثر في عالمها الواسع, وكلما أدركت تماما حقيقة كوننا ذوات لا نملك خيارات العيش كما ينبغي في الحياة , وكأننا مساقون إلى أقدارنا سوقا , وكأن الريح تدفعنا إلى جهة ما في الحياة , قد تكون هاوية بانتظارنا أو نهرا ليست له ذاكرة , أو إلى العدم . فقط الشيء الوحيد الذي نحن متيقنون منه هو أننا جميعا مساقون إلى ذات الجهة المجهولة. هنا في ظني تأتي الكتابة لتفتح لنا خيارات أخرى في الحياة , لتفتح كوة نهرب منها إلى جهة أخرى مجهولة في الحياة , وما بين هذه الجهة وتلك , يتكثف هذا الشعور بالقلق ليتحول عندي إلى إحساس غامض يتحكم عميقا في تصوري للكتابة في نهاية المطاف. لذلك لم أشعر يوما ما بمجانية الكتابة أو سهولة جلبها إلى فضاء العقل أو المخيلة , الصعوبة تحديدا تكمن في هذا الشعور القلق لحظة الكتابة , وهو شعور لا يفرز البهجة على كل حال بقدر ما يفرز الترقب والانتظار والتأمل والأفكار المتناقضة . هذا الفرز بمثابة تدريب على استحضار الكتابة , وإذا ما كان مشروطا بها فهو سيتحول تدريجيا إلى ما يشبه الطقس والعادة لحظة الكتابة. وهذا هو بالتحديد ما يوجه طقوسي الكتابية من العمق. وعليه وبناء على هذا التوجه كنت ولا أزال أمارس الكتابة تحت تأثير هذا الفرز , مقتنعا تماما بأن تفضيلي الأماكن المفتوحة للكتابة المأهولة بالبشر كالمقاهي على الأماكن المغلقة والمعزولة هو محاولة للهروب من هكذا شعور يصاحبني عادة لحظة الكتابة , هروب يجد في ضوضاء الناس وصخبهم ما يشبه العزاء من رعب الكتابة ذاتها. لكنها مجرد محاولة لا أدعي كثيرا في ممارستها لأنها حقيقة مشروطة بنوع ما أكتب , فالكتابة المتخيلة غيرها الكتابة الفكرية والفلسفية , هذا من جانب , أما الجانب الآخر فهو وثيق الصلة إلى كوني لا أملك أوقاتا محددة للكتابة, لا ليلا أو نهارا فقط حين تأتي الكتابة عارية كما هي. ربما الحياة اليومية لها قدرة احترافية على سرقة أوقات الكتابة كما يشير إلى ذلك الشاعر إيف بونفوا. لكن ما هو أكيد من جهة أخرى هو حقيقة كون الحياة اليومية ذاتها هي مصدر وقود للكتابة , ومحرك لها, كي لا تسقط في فخ الصمت والنسيان , وكي يقال أيضا أنك انتشلت نفسك من القاع بخفة فكرة عابرة , ولم يبللك الوحل كثيرا , ولا الناس كذلك. ذات مرة سئل الروائي باولو كويلو عن مقولة وردت في إحدى كتبه, هي « إن الكاتب شبيه بالمرأة الحامل التي تلد طفلا, وإنه عاجز عن الكتابة ما لم يمارس الحب مع الحياة» . وقد أجاب أن مقصوده هو أن «أعيش الحياة بكل بساطة, أعيشها بكل ما أوتيت من شغف وجنون ومتعة وعطاء. كلما عشنا حياتنا بقوة , ازدادت فرص أن نجد طريق لغتنا الخاصة». أليس على من يعيش الحياة أن يتعثر بها, كي يشعر بها من العمق, كي يتحسس أنفاسها وهي تطفو على وجهه, وتسكن رئتيه!. وليس عليه عتبا إذا ما تنبأ دوما بأن الحياة قصيرة , وأن النهار طويل كما كان يقول غوته. مفارقات الحياة وتناقضاتها هي اللحظة السحرية التي تصنع قوة إرادتنا كي نكتب , ولولاها لكان على الواحد منا أن يدفع عربة رغباته إلى الهاوية , لا لكي يتخلص منها. ولكن حتى يشعر بارتطامها على أرض ذاته, كلما أحس أنه تحول إلى مجرد إيقونة لا تضيء . ربما في نهاية المطاف ينكسر فتسيل الكلمات ممزوجة بالسائل اللزج للرغبات ذاتها , أو ممزوجة بالهواء الذي يتذكر ماضيك وهو مقيد بالكتابة التي تبحث عنها في الطرقات والأمكنة القابعة في مخيلتك وطفولتك . أوليس من المفارقة أيضا حينما نتخذ قرار الكتابة نكون بذلك قد تنازلنا عن ملكيتنا لأفكارنا كما يقوله الروائي بيتر هاندكه. وهو تنازل يشرع علاقتك بقارئ ما أنت تجهله. تسميه الخطابات النقدية بالقارئ المثالي , وأنا أسميه الذات المنسية في ذاتي. أبدا نحن نحاول أن نسيطر على ما نريد أن نقوله عن لحظة القول ذاتها , وعلاقتها بمسألة الكتابة. لكن النتيجة دائما ما تأتي مخيبة للآمال . لأن الكتابة مهما اقتربنا , في محاولاتنا, من رصد وتحليل الوعي بمكوناتها وبنائها وتراكيبها نكون قد فتحنا على أنفسنا شلالا هادرا من الحكايات الكبرى التي تروي العالم وتسرده , وفي نفس الوقت تلقيه من الوجود.