محمد العصيمي
بل احزن..!!لأنك من أمة هانت على الأمم فتعسفوا معها سياسيا واقتصاديا وثقافيا. أمة تجتر ماضيها السحيق التليد في محاولة من (مجاميعها) ومجتمعاتها لمداواة جروحها وهوانها على العصر الحديث، الذي تسيد فيه البيض والصفر من الناس، وبقيت هي بلونها الحائر غريبة تفتش عن مواطن العزة والكرامة وتتكفف التعليم والطبابة والتجارة والصناعة. أنت لا بد أن تحزن، ولحزنك ما يبرره، إذا وجهت وجهك شطر العراق أو وطأت عيناك لبنان أو الصومال أو السودان أو بلدان الواق الساكنة على أكتاف الشواطئ في الشرق والغرب العربيين. وإذا كنت ممن خرجوا من بطون أمهاتهم في الخمسينيات أو الستينيات فإنك ستنقسم إلى نصفين: نصف لحالك وبلدك ونصف للفلسطينيين الذين يقاتلون المحتل الصهيوني تارة ثم يعودون تارات ليضربوا مصالح ورقاب بعض. فيك شيء من المرحلة الناصرية التي اكتظت بالشعارات ورفع الرؤوس والاستعمار الذي حمل عصاه ورحل، ثم غابت تحت مطارق شديدة من الاتهامات والمفارقات والمذابح الفكرية، التي لم تُبق لها ميزة ولم تحفظ لها إنجازا غير مسبوق. أصبح كل ما في تلك المرحلة طحينا تذروه رياح التكالب والتربصات والمصالح الآنية الضيقة والمطامح والمطامع الشخصية.أنت، أيها الخمسيني أو الستيني أو السبعيني، لا بد أن تكون شديد الحزن، فحين رفعت رأسك يا أخي ضربت النكسة على هامتك. وحين انتهت حرب أكتوبر لم يبق منها، على المستوى النفسي والوطني، عدا صور العبور التلفزيونية، التي (تُوجت!!) بالصور التلفزيونية العابرة للقارات من كامب ديفيد. أصبحت المسألة كلها عبورا في عبور وكلاما عابرا. لقد وضعت الجيوش العربية أوزارها وأصبح التلفزيون هو القوة القابضة على رقاب الشعوب التي غنت للمجد العربي من المحيط إلى الخليج. وبعد حين أصبحت الحروب العربية (العظيمة!!) تُحرر الشعوب وتحفظ مكتسباتها عبر الشاشات المتدرعة بالصدور النافرة والأعجاز النابية. من مثلنا، يا أخي، إذا كنا نقضي سحابة النهار في دردشات المقاهي وحف الشوارب ونقيم الهزيع الأخير من الليل في لملمة شتات أجسادنا بعد معارك التحرير الطاحنة في غرف النوم.؟!! كان أسلافنا، وهذا اجترار للمجد التليد، يُحرمون على أنفسهم الطيب والنساء والنعيم إذا ألمت بهم فاجعة. أما نحن فنزيد من رش الطيب ونكوم النساء وننغمس في النعيم كل ما تلقينا صفعة نجلاء على وجه من وجوه أمتنا. osaimin@yahoo.com