محمد الحرز

محمد الحرز

في كتابه « المسألة الدينية في القرن الواحد والعشرين» يرصد جورج قرم في تحليله الفكري التاريخي التطورات المفصلية التي أخذت الطابع الأسطوري ,أو حسبما يسميه في أحد كتبه « الشرخ الأسطوري», في تاريخ الاديان التوحيدية الثلاثة. وأثر هذه التطورات على الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية, انطلاقا من فرضية تقول: هناك ما يشبه الكثافة والتراكم في العلاقة والترابط بين ذلك التاريخ من جهة , وبين ما يجري من أحداث ووقائع , على جميع المستويات , في الحياة التي نعيشها حاليا داخل المجتمعات العربية الإسلامية من جهة أخرى. هذا الترابط يرجع أسبابه الكاتب إلى الدور الذي تقوم به روايات التوراة أو العهد القديم أو ما يسمى أيضا الإسرائيليات باعتبارها النموذج الأم الذي تنحدر منه النماذج الفرعية التاريخية الثلاثة , اليهودي والمسيحي والإسلامي. وكونها نماذج تأسست جميعها حسبما يرى على بنية التوحيد الديني نفسه , وأفرزت أيضا الإشكاليات نفسها على صعيد» صعوبة التعامل مع تعدد أهواء البشر والميل الفطري إلى تكوين المذاهب والفرق والأحزاب في تأويل نصوص الوحي الديني ضمن الدين الواحد , مما يولد صراعات طويلة ومعقدة يمكن أن تأخذ طابعا دمويا وتخلق نفسيات متوترة ومعذبة». وحيث كونها كذلك فإن سبر أغوار هذا الترابط وتحليله تاريخيا , والكشف عن أبرز مؤثراته ومقولاته خصوصا في الثقافة الأوروبية يصبح مشروعا ومهما , وبالتالي يصبح نقطة الانطلاقة التي يبني عليها المؤلف مقولاته في تحليله ورؤيته لموضوعه. هذه النظرة الشمولية والأكثر اتساعا كما يراها ويتبناها , هي ما تنقصنا في ثقافتنا العربية الحديثة أمام العجز التاريخي قبالة جبروت الدول الغربية الكبرى. وعليه فهو يشدد على سد هذه الثغرة من خلال مثل هذه الدراسات التي تنطلق من هكذا نظرة للتراث الإنساني خصوصا الجانب الديني منه , وهذا ما يدعوه للاعتقاد بأن مثل هذه الدراسات تقودنا إلى الفهم الحقيقي لأسباب انتشار ما يسمى ظاهرة عودة الدين المنتشرة في كل المجتمعات التي تدين بدين من الأديان التوحيدية الثلاثة. هو لا يسميها عودة, لكن يسميها استغلالا من خلال كشفه عن الاستخدام السافر للدين عند الغرب في سياسته الخارجية- بخاصة تجاه منطقتنا- الأمر الذي يؤدي بنا بالتالي كما يقول» إلى تمكيننا من الرد القوي على ادعاءات الغرب بأن التعصب الإسلامي هو العامل الرئيسي في حالات النزاع والتوتر والاستيطان والغزوات والحروب, بينما الدول الغربية هي المسؤولة عنها إلى حد بعيد , بما لها من تقاليد تاريخية في توظيف الدين في السياسة وإلباس مطامعها الاستعمارية الدنيوية رداء من الإيديولوجيا الدينية الحادة». وليست الحروب الدينية الطاحنة بين البروتستانت والكاثوليك التي خاضتها أوروبا, ومحاكم التفتيش للكنيسة سوى جزء من هذه التقاليد التاريخية في عصر كان يسمى- ياللمفارقة- بـ ( عصر النهضة). بل يذهب المؤلف في رأيه إلى أن الوثنية الكلاسيكية التي تدين بها الشعوب القديمة كانت أكثر تسامحا إزاء معتقدات الشعوب الأخرى, فالشعوب المنتصرة كانت تدمج في مجمع الآلهة لديها ألهة الشعوب المغلوبة , وتضمها إليها في عملية دمج تنم عن تعايش. وعندما جاءت الديانة اليهودية استعصت على الدمج , واختفت هذه الظاهرة تماما مع تحويل الديانة المسيحية إلى ديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع الميلادي. بينما الإسلام هو الذي اعترف» بالتنوع الديني وطور الشرع الإسلامي نظام حكم ذاتي في الشؤون المدنية أو ما يسمى بنظام الملل للطوائف المسيحية واليهودية التي تمكنت من مواصلة العيش في ظل شرائعها الدينية الخاصة بها». هذه الذاكرة التاريخية يتلاشى تأثيرها إزاء قوة ما يسعى إليه النظام العالمي الجديد من تركيب ديكورات جديدة –كما يسميها جورج- تلائم هذا النظام , ومصالح متبنيه من القوى الغربية العظمى.يقول» إن هذا الديكور المفروض علينا فرضا يتكون إلى حد بعيد من كتابات الصحف والنقاشات المتلفزة , من غلافات المجلات الأسبوعية الأكثر نفوذا وبهرا في أوروبا أو في الولايات المتحدة؛ التي تعلمنا وتشرح لنا كل ما ينبغي أن نعرفه عن اليهودية , الإسلام , النهضة الإنجيلية في الولايات المتحدة , انفجار القومية الدينية في الهند». فقبل نصف قرن, لم يكن الاهتمام بالبحث عن مشروعية تاريخية للهويات الدينية والطائفية والقومية من صميم التوجهات الفنية كالسينما أو الفكرية والأدبية أو الدينية. والسؤال هنا الذي يجيب عنه الكاتب هو: ما الأسباب التي أدت إلى هذا التحول السريع الذي أصابنا في العمق , وفي غفلة منا؟ يرصد أسبابا عديدة منها نتائج الصراع أيام الحرب الباردة بين المعسكرين السوفيتي والأمريكي. فقد ظن أغلب المفكرين أن صراعهما سينتهي عند نقطة التقاء بسبب مرجعيتهما العلمانية التي تنتمي إلى فلسفة عصر الأنوار. لكن لم يكن أحد يتصور أن يخرج الرئيس الأمريكي رونالد ريغان ويصف السوفيت , في ثمانينات القرن المنصرم بأنها « إمبراطورية الشر» في استعمال صريح لمصطلحات التوراة . وقبله كان جيمي كارتر قد أحيا ذاكرة المحرقة اليهودية تحت مسمى « الهولوكست « المتحدر من مصطلح الأضحوي في العهد القديم. لقد تم تحميل قيم وفلسفة عصر الأنوار تبعات ما جرى من انبعاث للنازية والفاشية وتصفية يهود أوروبا, وليس استغلال الدين في ظاهرها سوى عملية تطهير على الطريقة المسيحية لآثام أوروبا, أما في عمقها فهي عنصرية بغيضة قائمة على الهوية الجوهرانية.