محمد الحرز

محمد الحرز

يواصل المفكر جورج قرم في كتابه «المسألة الدينية في القرن الواحد والعشرين» الصادر من دار الفارابي 2007 ما كان قد بدأه في كتابه «شرق غرب: الشرخ الأسطوري 2003» وكذلك كتابه «تعدد الأديان وأنظمة الحكم» 1977, اشتغالاته في تفكيك المسلمات والبديهيات الكبرى التي أحكمت قبضتها من العمق على الفكر الغربي, وحولت خطابه عن نفسه إلى خطاب نرجسي متعال, لا ينظر إلى نفسه إلا بوصفه صانع التاريخ والحضارة والتطور وسواه خارج التاريخ, أو بعبارة إريك وولف «من لا تاريخ لهم». وقبل الوقوف على مجمل آرائه وأهم تصوراته وأبرزها وطرق تحليله في هذا الكتاب يجدر بي الحديث أولا عن كون هذه المسلمات التي أرسى دعائمها إرثا تاريخيا فكريا وفلسفيا من ديكارت مرورا بهيجل إلى فلاسفة الأنوار لم تكن موضع المراجعة النقدية الصارمة إلا مع جيل من النقاد المثقفين أغلبهم من العالم الثالث كإدوارد سعيد و إعجاز أحمد و روبرت يانج في كتابه الشهير «أساطير بيضاء» الذي يعالج فيه الصور والتخيلات التي تسيجت بها المعرفة الغربية حول نفسها وحول تصوراتها عن تاريخها. ويمكن الإشارة أيضا إلى هاربانز مخيا في بحثه المهم حول «ماركس والهند قبل الكولونيالية» الذي يبين فيه خطل أفكار ماركس ومحدوديتها وقلة دقتها خصوصا فيما يتعلق بنمط الإنتاج الهندي قبل الاستعمار البريطاني. وقد شكل الخطاب النقدي للاستشراق الأوروبي وليس الأمريكي المدخل عند هؤلاء , ثم تلاحقت الدراسات الفكرية والسياسية والأدبية, ودراسات نقد النقد الاستشراقي كما عند هومي بابا أو آنيا لومبا, وكذلك ما يسمى الفكر النسوي التفكيكي كما نلاحظه في كتابات كارول باتمان السياسية حول النساء والمواطنة والديمقراطية, وأيضا أعمال سبيفاك التي تناولت بالنقد التحليل النفسي والماركسية وأشكال الإمبريالية المعاصرة, وكذلك الروائية الأمريكية توني موريسون في كتابها «اللهو في العتمة» التي تبحث فيه عن سؤال الهوية وعلاقة الأنا بالآخر في ظل تجربة الاستعمار, وما نتج عنه من احتلال واستيطان وإبادة ضد السود. وقد صنفت جميع هذه الدراسات تحت نظرية الاستعمار وما بعد الاستعمار. لكن عندما نتتبع خيط البدايات التي أسست إلى هكذا نقد, والأسباب التي أدت إليه وراكمته, نجدها تتقاطع عند هاجسين شعوريين متناقضين: هاجس العظمة والخوف منها, أي الشعور بالتفوق الحضاري وفي الآن نفسه الخوف من زوال هذا التفوق لأسباب سنرى تنوعها حسب وجهة نظر الكاتب الذي يتصدى لتحليل هذه الأسباب. لقد كان صدور كتاب أوزوالد شبنغلر « أفول الغرب: مجمل الميثولوجيا عن التاريخ العالمي» بالتزامن تقريبا مع صدور كتاب المؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي «التاريخ : محاولة تفسير» – الأول في الثلاثينات والثاني في أواخر الأربعينات- الذي يبين فيه أسباب عظمة وانحطاط الحضارات الكبرى, بمثابة المؤشر البارز للعيان على ما وصل إليه المجتمع الغربي من قلق حول مصير حضارته ومآلها. هذا القلق الذي تحول حسبما يطلق عليه موسكوفيتشي في كتابه « الآلة التي تصنع الآلهة» مأسسة الكآبة التي تمتد جذورها كما يرى إلى التقاليد في الدراسات الاجتماعية التي أرسى دعائمها ماكس فيبر وهوركهايمر في استرجاعهما أهمية العامل الديني في تلك الدراسات. لذلك كان البحث عن عدو كي يتم تحطيمه يأتي بمثابة الشعور العميق الذي يطبب جراح هذا القلق القاتل الذي اتضح أكثر مع انهيار الاتحاد السوفيتي , وتعمق أكثر مع أحداث الحادي عشر من سبتمبر. لكن تخيل هذا النوع من العدو كان تقليدا ماركسيا بامتياز كما بين ذلك الفيلسوف كارل بوبر, وينبغي أن نقف هنا مع هذا المفكر الكبير, ففي كتابيه « المجتمع المنفتح وأعداؤه» و «بؤس التاريخانية»- الكتاب الأول حسب علمي لم يترجم , أما الثاني فترجم- كان هجومه النقدي الشرس على الماركسية والمنهج التاريخاني حول مفهوم التاريخ وتصوراته منذ الخمسينات يشكل الجانب المهم في فكر هذا الفيلسوف, على الأقل , بالنسبة لمثقفي العالم الثالث , وبالخصوص العالم العربي الذي ظل متغافلا عن هذا الجانب النقدي بسبب حمى تصاعد الأحزاب الشيوعية في الغرب كما في الشرق, وانتشار نجوميتها بين المثقفين الماركسيين العرب بالخصوص, وكما يؤكد المفكر الجزائري الزواوي بغورة في سياق حديثه عن هذه النقطة أن «المتتبع للتيار الوضعي [في الوطن العربي] الذي مثله المفكر الكبير الدكتور زكي نجيب محمود يرى أن المفكر لم يلتفت إلى أهمية بوبر وإلى أهمية نظرياته السياسية ونقده التاريخي للماركسية رغم أنه حاول تقديم بعض الملاحظات حول الماركسية دونما استفادة من انتقادات بوبر في هذا المجال». كان بوبر يقول «ماركس كان يبحث عن العدو الذي يقضي عليه وهكذا ابتدع الرأسمالية كعدو يجب قتله» ولم يسع من جانب آخر للبحث عن أصدقاء يساهمون جميعا في حل مشاكل الإنسانية. وكان يرى أن التنبؤ بالمستقبل من خلال سن قوانين تتعلق بمسار التاريخ كما هو المنهج التاريخاني في الفكر الماركسي ليست سوى فكرة شمولية تسلطية لا تنتج سوى الحروب والدمار على الشعوب كما هو تاريخ أوروبا الحديث. البحث عن العدو الإسلامي وعودة الدين واستغلاله في السياسة الدولية هو ما سنناقشه مع جورج قرم في المقالة القادمة.