محمد الحرز
هل هناك صلة بين جغرافية المكان للوطن من جهة , وبين الخبرة القرائية الأدبية التي يكتسبها الفرد داخل الوطن نفسه من جهة أخرى. وإذا كان هذا الافتراض صحيحا, أين مكمن تلك الصلة, وكذلك نطاق تأثيرها , وما سماتها التي تؤثر بصورة أو بأخرى على شكل التلقي للعمل الإبداعي بوجه عام؟ أسئلة تحتاج إلى جهود مضنية للإجابة عنها ليس هنا محلها. لكن نقول أولا ماذا نعنيه بجغرافية المكان للوطن؟ هناك ما يشبه التداخل أو اللبس بين مفهومنا عن الجغرافيا من جهة , ومفهومنا عن المكان من جهة أخرى. هذا التداخل مصدره عاملان اثنان, الأول يتعلق بالمصطلح اللغوي , والثاني بثقافة المخيلة. ولأسباب لسنا في صدد الحديث عنها هنا, ولا الاستشهاد بها , فقد أعلت النظرية العلمية والبحوث والدراسات المتفرعة منها من شأن مصطلح « الجغرافيا» مقارنة بمصطلح « المكان» , وفي بعض الدراسات الأخرى جعلت من المصطلحين مترادفين يؤديان نفس المعنى والوظيفة ذاتها. لكن في أغلب الحالات كان ينظر إلى المكان بوصفه العمق الغرائبي والأسطوري للمخيلة البشرية عبر التاريخ . لذلك يستحيل على النظريات المعرفية أن تنظر إلى المكان بمعزل عن روح وعادات وتقاليد الجماعة التي تسكنه ,أيا كانت سمات هذه التقاليد وعاداتها. بخلاف « مصطلح الجغرافيا» الذي هو وليد النظريات العلمية , وليس مثقلا بحمولات ايديولوجية كما هو حال « المكان» . وإذا كانت الجغرافيا تعني فيما تعنيه الأرض والحدود والمناخ والتوزيع السكاني في الأقاليم والمساحات, فإن إضافة المكان بالاعتبار الذي ذكرناه سابقا على هذا المعنى هو ما نقصده بالتحديد من مصطلح « جغرافية المكان» . أما الوطن المضاف إليه, فهو هنا يشير إلى مجمل التصورات والرغبات والإدراكات التي يحملها الواحد منا,تلك التي تقف في المنتصف بين الايديولوجيا واليوتوبيا ,بين الحلم والواقع , بين ما هو عليه في خطاباته الرسمية: الثقافية والاجتماعية والسياسية , وبين المشاعر الرومانسية والحنين الذي يشد الإنسان بذاكرته , وفي حياته اليومية إلى المكان الذي يعيش فيه. بالتأكيد هناك معانٍ متعددة للوطن منها ما يتصل بمفهوم المواطنة , ومنها أيضا ما يتصل بالحقوق والحريات وكذلك سياسة الاعتراف بالآخر. لكن تعدد تلك المعاني وارتباطها بالوطن ليس محل اهتمامنا في المسار الذي قصدناه في هذا التحليل. أما الشق الآخر المتعلق بالسؤال الذي يدور حول الخبرة القرائية الأدبية فهو وثيق الصلة من جهة أولى بالموروث الجمالي المتحدر إلينا من التقاليد والطقوس, والأشكال البدائية في تلقي النصوص. يتمثل هذا الموروث في القيمة الثقافية والاجتماعية والسياسية والدينية التي اكتسبتها القراءة المتصلة بالأدب العربي عبر تاريخه, وأعطتها سماتها الخاصة , والتي يرى أغلب الباحثين المختصين بنظرية القراءة أنها تكمن في أشياء ثلاثة: المضامين الثابتة, المقصدية , وسلطة المؤلف. وهي سمات شديدة التداخل مع سمات أخرى لسياقات مختلفة من القراءات كقراءة النص الديني , والفلسفي , والفقهي. لكن هل يعني ذلك أن هناك تقليدا قرائيا نمطيا ومستنسخا ينسحب على جميع هذه النصوص بمن فيه النص الأدبي؟ نحن لا نؤكد هذا القول ولا ننفيه , لأن السمات ذاتها- كما يخبرنا التاريخ- متحولة وفق ظروف العصر وتحولاته الثقافية والاجتماعية والسياسية, وبالتالي المعايير ليست ثابتة, ولا هي حتمية بالتأكيد.لكن ما نهدف الإشارة إليه وتوضيحه من خلال هذه الإلماحة الموجزة هو تقرير الفرضية التالية: كل التقاليد والنظم الموروثة المتصلة بعملية القراءة حينما ترسخت كسمات طبعت شخصيتنا الثقافية لم تنتج مفهوما ديناميكيا متحولا عن « الآخر».( وما أعنيه هنا بالآخر هو الذي يتولد من خلال العملية التأويلية التفاعلية التي تنتجها القراءة من طرف, والكتابة من طرفها الآخر,بحيث تصبح اللغة هي منبع الدلالات, والتجربة الذاتية مداها المتحرك) وإنما أنتجت خلاف ذلك , أنتجت مفهوما عن الآخر يمكن أن نتعرف على ملامحه وصفاته في جميع النصوص سالفة الذكر دون أدنى تمايز أو فروق. صحيح أن مثل هذه الفرضية قد توحي بالأحكام القبلية إذا كنا نقصد بكلامنا عن الآخر ذلك المختلف في الدين والعرق والعقائد والجنوسة والإثنيات فقط . لكن الاهتمام ينصب بالدرجة الأولى على الآخر الذي هو نتاج مغامرة تأويلية أطرافها النص والسياق والمؤلف والقارئ, سواء جاء هذا الآخر على شكل خطاب أو فكرة ,أو قيمة ثقافية أو اجتماعية أو سياسية. قد نوسع هنا من نظرتنا إلى هذا المفهوم حد التمييع. لكننا في نفس الوقت ندرك تماما أن لعبة المغامرة في التأويل تتطلب هذا القدر من الاجتراح والجرأة. بالمقابل يمكن اختبار هذا المفهوم تطبيقيا على نصوص تراثية ومعاصرة في أي جنس كتابي يصادفنا أثناء البحث. ويمكن الإشارة لماما إلى بعض التقاليد التي ترسخت في نظام القراءة من قبيل المتون والهوامش , أوالشروح والتفاسير , وشرح الشروح أو تفسير التفاسير. وهكذا إلى آخر التقاليد الموجودة في هذا النظام . وليس من أهدافنا في هذا المقام التوسع كثيرا في هذه النقطة إلا بما يخدم ما نرمي إليه من توضيح لفكرة الآخر المرتبطة أساسا بالنظم والقوانين القرائية التي أنتجتها ثقافتنا المحلية. أما الجهة الأخرى التي هي وثيقة الصلة بالخبرة القرائية الأدبية فهي تكمن في الدرس التربوي والتعليمي المتعلق بالأدب. وإذا كان تدريس الأدب مشروطا بتصوراتنا عنه, فالمؤسسات التعليمية التي تضطلع بتدريس الأدب لأولادنا وبناتنا بجميع الأنظمة والقوانين التي تحكم هذا التدريس, سوف تفضي انطلاقا من تصوراته تلك إلى موت الأدب, لأنه يسعى من خلال هذا التدريس للحفاظ على حياة النصوص فقط.