محمد الحرز
هناك شريحة واسعة من الكتاب والمثقفين في الوطن العربي أصبحت مسألة الديمقراطية هاجسا ملحا في كتاباتهم, ومفتاحا سحريا في طريق الخلاص العربي من تبعات ترديه الحضاري والفكري. حتى تحولت هذه المسألة إلى مجرد شعار يتم توظيفه في الخطابات السياسية والمشاريع الاستعمارية والجدالات الفكرية العقيمة. وهي بالقدر الذي تحجب هذا النوع من التوظيف , فإنها من جهة أخرى تؤكد على حقيقة مفادها استحالة التوفيق بين الديمقراطية كشعار كما رفعته أمريكا عندما غزت العراق , والديمقراطية كمشروع لم يتبلور لا عند الأنظمة العربية الحاكمة , ولا عند النخب السياسية المثقفة. هذه الاستحالة تكاد تكون ممانعة بالعنف والسلاح تارة كما في السلفية الجهادية, أو بالمقاومة الفكرية أو الإيديولوجية كما في الخطابات السياسية عند الأحزاب القومية أو الإخوان المسلمين أو حزب الله أو حماس. في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية لم تكن هذه الممانعة في الخطاب السياسي والفكري العربي تشكل حاجزا منيعا ضد السياسات الاستعمارية سواء تلك التي تشكلت في سياق النظريات المعرفية في مختلف فروع العلوم الإنسانية الغربية ,أم تلك التي نتجت من الاحتكاك المباشر بالآلة العسكرية للاستعمار ذاته. ولأسباب يطول شرحها كان خطاب الممانعة يغلب عليه الطابع الديني, أي الملاحظ كما يقول المؤرخ الأمريكي ريتشارد بوليت عن حق «أنه عندما تشعر إحدى المجتمعات الإسلامية بالتهديد , فإن توجهها نحو القادة الدينيين طلبا للنجدة هي صفة متأصلة في الثقافة الإسلامية السياسية التقليدية». هذا التوجه يقر بوجود حقيقتين. الأولى تتعلق بخوف الأنظمة الحاكمة من تلك الممانعة المرتبطة برجال الدين, هذا الخوف يفسر» لماذا جرى استهلاك هذا القدر الكبير من طاقة الدولة لتحقيق أهداف معادية لرجال الدين كما في تجربة عبدالناصر في مصر أو الحبيب بورقيبة في تونس , أهداف وصفت خطأ بأنها علمانية لدى معظم المراقبين الأوروبيين». الأمر الذي أدى إلى ضعف خطاب الممانعة الخارجي من جهة ,وضعف المشروع التحديثي للدولة من جهة أخرى. أما الأخرى فهي وثيقة الصلة بالأولى على اعتبار أن خطاب الممانعة هو في عمقه خطاب هوية ثقافية ضد ثقافة الآخر, وقد قامت السلفية الدينية في تاريخنا الإسلامية بملء الفراغ في هذه الهوية بما يوحي إلى التطابق بينها وبين التنوع الثقافي المعقد للمجتمعات العربية الإسلامية. يقول إبراهيم إعراب في كتابه «سؤال الإصلاح والهوية» «في كل مرة يواجه فيها المجتمع العربي أزمة أو تحديا خارجيا إلا وتظهر أو بالأصح تنبعث السلفية كأداة للمواجهة وكتعبير عن الهوية الثقافية. فعلى امتداد التاريخ العربي الإسلامي يمكن ملاحظة هذه الظاهرة , فسلفية ابن تيمية في القرن الثالث عشر الميلادي التي اتخذت مظهرا عقائديا وأخلاقيا اجتماعيا بدعوتها للرجوع إلى الإسلام الأول ومحاربة الطرقية والتصوف جاءت كرد فعل على التهديد المغولي,أما السلفية النهضوية في المشرق مع الأفغاني وعبده فقد ظهرت إثر توغل جيوش الدول الأوروبية في الإمبراطورية العثمانية واحتلال انجلترا لمصر سنة 1882وكانت مجلة العروة الوثقى التي أصدرها الأفغاني وعبده تخصص صفحاتها لتحليل سياسة الدول الكبرى في العالم الإسلامي كما عالجت ضعف المسلمين الداخلي وحثتهم على التنبه له ومداواته». يبدو لي من خلال هذا التوصيف أن محاولة فك الارتباط بين التوجه السلفي داخل خطاب الممانعة , وبين الهوية بوصفها شعورا انتمائيا تتجاور فيه القوميات والديانات والثقافات دون أن تتصارع , هو بالتحديد ما يحرك أغلب الكتابات التي تهجس بالمسألة الديمقراطية , رغم ما نجد من تباينات تسم هذا الكاتب أو ذاك , فالكاتب عزمي بشارة في كتابه الحديث «في المسألة العربية , مقدمة لبيان ديمقراطي عربي» يقرر منذ البداية بهذا التجاور , ويثبت عدم التعارض بين الشعور الإسلامي والشعور القومي العربي حين يبحث من خلال هذه الأخيرة مسألة الديمقراطية في الوطن العربي- لنا عودة أخرى مع أبرز المحطات التي ترد في هذا الكتاب , في مقالة أخرى- بينما نجد في طرف آخر عند محمد عابد الجابري ما يلح على الأسباب التي جعلت مسألة الديمقراطية مجرد شعار, ومن أهمها في رأيه هو الخوف من الديمقراطية. يقول في كتابه «في نقد الحاجة إلى الإصلاح» « ... فإن الخوف من الديمقراطية الذي يعم سائر النخب في العالم العربي , والذي يضفي الطابع الإشكالي على المسألة الديمقراطية , يجد ما يؤسسه في نوع الاقتصاد السائد: الاقتصاد الذي لا تهيمن فيه المؤسسة المستقلة عن الدولة التي هي الأساس الذي يقوم عليه المجتمع المدني ومؤسساته السياسية والثقافية». ويمضي بعدها الجابري في تحليل النمط الاقتصادي السائد في الوطن العربي,كي يدلل على أن رهاب الخوف عند هؤلاء النخب هو عائق في التحول إلى الديمقراطية , لكنه لا يجيب من جهة أخرى عن فقدان هذه المسألة في الوطن العربي إلى بعدها الابستمولوجي (أي النظري) في الخطاب السياسي العربي , رغم إشارته الواضحة لهذا الفقدان غير أنه لم تشكل عنده عنصرا مؤثرا من عناصر الشعور بالخوف من هاجس الديمقراطية . ربما هذا العائق نجده في موضع آخر يمكن البحث عن عناصره , وأقرب هذه المواضع هي نظرية ما بعد الاستعمار التاريخية والأدبية. لكن تحليلها تحتاج منا إلى مقال آخر