محمد الحرز
سؤال الكتابة ما زال يقلقني , لا أعلم لماذا , لكنه يفتح الذاكرة على سيرة تشكلاتها , ولحظة نموها لديّ .لا أقول إني كنت واعيا بتحولات نموها .. لكني لم أكن أثق بنفسي بخصوص الكتابة .. ثمة شيء بداخلي يقول لي : أنت لست جديرا بالكتابة , عليك أن تصمت ! والغريب أنني لم أقاوم بالكتابة بل بالقراءة , لذلك لاحقا في بداية حياتي ، كثفت من ساعات قراءاتي اليومية .. كنت مدفوعا بكل طاقتي الذهنية والنفسية والفكرية في القراءة .. كنت أجد نفسي مشدودا في البداية إلى كتب التاريخ ثم الفلسفة .. بعدئذ تنوعت قراءاتي من الفكر إلى الأدب والشعر والعلوم الإنسانية بفروعها المختلفة. صحيح أن قراءة الفلسفة كانت تتطلب مني جهدا كبيرا في القراءة والاستيعاب , إلا أني لاحقا اعتبرت قراءة الشعر أكثر صعوبة , وتحتاج إلى صفاء نفسي , لا أستطيع أن أتحصل عليه في غالب الأوقات , وهنا تكمن المأساة بالنسبة إليّ .. حبي للشعر يجعلني أخاف الاقتراب منه .. لأنك في هذه الحالة تحتاج إلى أن تستعيد ذاتك من ذاتك .. وأنآك من أنواتك المتعددة, وهذا ما لا يمكن أن تتحكم فيه , لسبب بسيط هو كونك خاضعا لعوامل موضوعية ( اجتماعية ونفسية وعائلية ومادية) , لا تستطيع حيالها شيئا .. لقد أخذتني تجربة القراءة إلى عوالم من التجارب التاريخية للأمم والشعوب والأشخاص , وإلى عوالم من الأفكار والآراء والثقافات والمعتقدات المتباينة ، فيما بينها حد التعارض والتصادم . لم أكن أتصور أنها ستصبح جزءا من أفق تفكيري وقناعاتي .. كنت أظن في البداية أن القراءة ستساعدني على الظهور اجتماعيا بمظهر المثقف . لكني سرعان ما أدركت خطورة هذا الموقف .. توحدت مع نفسي أكثر أثناء الفترة التي كنت أكثف فيها قراءاتي بشكل يومي .. حينها علمت أن تجربة القراءة هي نوع من المغامرة , ليست مأمونة العواقب .. مغامرة ليس عليك الرجوع عنها في منتصف الطريق , وإلا حكمت على نفسك بالموت الروحي والنفسي والثقافي .. تجربة تذهب بك إلى الأسئلة القلقة , وليس إلى الإجابات اليقينية الواثقة من نفسها , كما تعلمناها في سياقنا الاجتماعي والعقائدي والتعليمي .. تجربة تضعك على حد السيف , وهدير الموجة , وحافة الجبل, وأنياب الذئب , وكل ما يخطر من مهالك تتصورها مخيلتك. لا تعتقد ما أقوله مبالغة , عليك أن تجرب حتى تكتشف ذلك بنفسك , فالقراءة ينبغي أن تكون جزءا من التجربة الصوفية للإنسان في الوجود .. لذلك كانت التجربة تستحق المغامرة بالنسبة لي, لأن قيمتها كانت وما زالت بمثابة تكوين تفكير جديد , ومنطق عقلاني , وإنسان حديث . ولكن هل يكفي ذلك ؟ أي التوحد مع القراءة لترسيخ مثل هذه القيمة .. هنا يمكنني القول إن التعرف على الآخرين (مثقفين وغير مثقفين) .. ومن بلدان مختلفة, ومحاولة محاورتهم في أفكارهم , وطريقة تفكيرهم في الحياة والمجتمع والتاريخ, كانت تأتي كتجربة موازية لتجربة القراءة, ومكملة لها, بحيث كل تجربة تغذي الأخرى. لقد عايشت تلك التجربتين بجميع تفاصيلهما الدقيقة. كانتا بمثابة النهر الذي اغتسلت فيه طويلا , ولما أزل كذلك . وحين أتأمل الآن , بداية علاقتي بالقراءة إلى حد هذه اللحظة أكتشف عن قناعة أن أفكار الآخرين ومقولاتهم وآرائهم لم تكن وحدها تخلخل بعض قناعاتي التي تربيت عليها, لكن طريقة تفكير هؤلاء كانت الأهم بالنسبة لي, لأن اكتشاف طرق مختلفة لأنظمة التفكير , ومتجددة باستمرار , هي الضامن الوحيد على التجدد والاستمرار في العطاء إذا ما أردنا أن نصبح كتابا بامتياز .. عندما بدأت كتابة بعض المقالات النقدية على استحياء , كنت قد قطعت مشوارا طويلا في القراءة , وأيضا اكتسبت خبرة لا بأس بها , خبرة التعرف عن قرب على بعض المدن العربية وبعض مثقفيها وأهلها وناسها. جاءتني الكتابة وقتها متدفقة, أو كأن سيلا منهمرا أراد أن يتدفق من خلالي. كان عليّ أن أصطاد تلك اللحظات من التدفق, وأن أهيئ نفسي بما يكفل أن لا ينقطع أو يتيبس .. لا يدرك هذه الصعوبة إلا من جرب وحاول .. وهي لحظة محاولة الكتابة بامتياز .. تجلس إلى الطاولة لتكتب , وكأنك تجلس على فوهة بركان , لكن الحمم لا تخرج , ولا هي تتوقف عن الغليان. أنت في هذا الوضع تصبح معلقا في الهواء .. أحيانا ساعات طويلة أنظر فيها إلى بياض الورقة , وكأن ثمة أحدا يمحو ما أحاول كتابته كلمة كلمة .. الكلمة الأولى هي المفتاح السحري الذي يفتح لي بقية أبواب الغرف في المنزل الكبير الذي نسميه الكتابة .. الكلمة الأولى هي جرس إنذار لبقية الكلمات النائمة في الذاكرة .. لعبة اصطياد الكلمات من الذاكرة هي تعريفي للكتابة من العمق .. لم أكن أدرك معنى صعوبة الانتظار , انتظار الكلمات كي تطرق بابك, كنت أظن أنها مسألة وقت , ومن ثم تصبح اللغة طوع يديك , وتحت تصرفك , ولكني أدرك الآن مأساتي ككاتب, وقلقي كمثقف : إن ما أريد أن أقوله هو غيره الذي تريد قوله اللغة .. أريد من الكتابة أن تكون أمينة على قولي .. لكني عرفت لا حقا أن الكتابة أيضا عندها ما تود أن تقوله بمعزل عن كاتبها .. ألم أقل لكم إنها السر الكامن في السر.