محمد العصيمي

محمد العصيمي

للخرفان، فيما مضى من أيام قليلة، شؤون وشجون أين منها، على المستوى المحلي، الوعي الذي يجب أن يكون عليه الناس في كل شؤون حياتهم؟ وأين منها، على المستوى العربي، شؤون وشجون لبنان الذي مر على أهله العيد بلا رئيس وبلا اتفاق على المستقبل؟ وأين منها، على المستوى الدولي، مباحثات الصناعة النووية التي تجتاح العالم من أطرافه إلى أطرافه؟ فالخروف يبلغ مرتبة لا يبلغها المتحدثون بأسماء البيوت البيض أو السود، حيث يزخر مماته كما تزخر حياته بالتكريم والتقدير والعلف الوفير والماء الزلال. ومن شؤون الخرفان ذلك الخروف الذي جلس في المقعد الأمامي للسيارة بجانب صاحبه وربط حزام الأمان حبا وكرامة من المضحي. وقد ضحكت في سري حين رأيت صورته البهية وهو يحتل مكانة لا تحتلها بعض النساء، الذي يلقي بهن رجالهن في المقاعد الخلفية من باب أن المرأة دائما في الخلف: خلف الحياة وخلف الكرامة وخلف التقدير لها كإنسانة من لحم ودم مثل الخروف العزيز. ومن شؤونه أنه يتحول إلى سلعة نادرة يؤجرها بعض الناس في الأمصار العربية والإسلامية لتظل تثغي طوال أربعة أيام، فيظن الناس أن المؤجر رجل مقتدر فيرفعون من قدره الاجتماعي. والفضل يعود للخروف الذي يبقى طوال هذه الأيام الأربعة يتدلل على أهل البيت ويأكل طعامهم القليل وكرامتهم الشحيحة!! ومن شجون الخروف أن بعض الناس نُزعت منهم الرحمة فلا يبالون بذبحه أمام زميله الخروف الآخر إمعانا منهم بأنه بهيمة لا تفهم ولا تعي ما ترى. ولو نطق ذلك الخروف لتعرض من حوله لخطبة بليغة عن مفارقات الزمان وجهل بعض بني البشر جهلا لم تبلغه الخرفان التي تسمن ليأكلها الناس الذين يسمنون ليأكلوا الناس. ومن شجونه أنه يذبح ويعلق على أشجار الطرقات والشوارع المنزوية، بينما مراقبو البلدية مشغولون بالكبدة ولحمة الرأس، ثم إذا فاحت رائحة الكروش والمصران من الشوارع وضع الناس الحق على الخرفان الحيوانية ونسوا الخرفان البشرية التي أهملت دورها وتساهلت في مسؤولياتها. ومن شجونه أنه صار يذبح من البعض بـ «الزرادية» ومفاتيح البراغي، حيث يتحول السباكون والسماكرة إلى جزارين يتكسبون قوتهم من رأس الخروف المفترى عليه من أهله، بينما الرقابة غائبة لا بارك الله فيمن أيقظها. وقد حدثني أحد الخرفان بالقول: إنه يأسى لحال بني البشر ومفارقات حياتهم. وحين سألته عما يقصده بالضبط كان قد فارق الحياة وبقيت ملاحظته معلقة.رحم الله الخرفان التي رحلت وأسبغ على الخرفان التي بقيت العقل ومتعها بالحكمة. وكل عام والخرفان، مذبوحة أو باقية، بخير.osaimin@yahoo.com