محمد العصيمي
تشبه دبي فصلا دراسيا مكتظا بالتلاميذ فيه مدرس متعسف يحلو له أن يرهق طلابه: قيام.. قعود.. قيام.. قعود، كلما ذهبت إلى دبي وعدت منها سألوني: كيف الحال؟ كيف وجدتها؟ وفي عيونهم حسد كامن من النوع المعروف في عيون ربعنا، كلما أصاب أحد منهم غنيمة من مال أو عيال أو سفر، أو حسناء تصغره بعشرين سنة.في ذلك الفصل الدراسي الخليجي الكبير المسمى دبي لا يرتاح البال ولا يرتاح الجسم أبدا، إذا سكنت لابد أن تخرج وإذا خرجت لابد أن تعود وإذا عدت لابد أن تجلس وإذا جلست لابد أن تقف وإذا وقفت لابد أن تمشي وإذا مشيت لابد أن تركض حتى لا يفوتك الموعد، لا يهم أي موعد، المهم هو أنك طوال الوقت مرهق تلاحق الساعة وتفرك عينك كل دقيقة إعياء وقلة حيلة، لا شيء حولك حقيقي، حتى الكتب التي أحب اقتناءها تشتريها من (المول) المرصوف بالسيراميك الإسباني والمصبوغ بماء الذهب أو الفضة، لا توجد رائحة عم مدبولي في دبي، ولا الحكواتي الموزع على ابواب دمشق، ولا الفوال الذي يسكن ناحية الصفا في مكة، ولا بائع الخردة في أسواق صنعاء القديمة المصبوغة بلون القات.كل شيء جديد وحديث حتى وجوه الناس، إلى درجة أن الوجوه، خاصة وجوه النساء تتشابه. كلها براقة ومغلفة، لا تمايز ولا معاني متفرقة، اللبنانية والسعودية والمصرية والروسية والأمريكية، كلهن سواء إذا كنت في دبي، وكلهن سواء إذا أطفئت الأنوار أو اشتعلت، حيث يبدو أن قيم السوق العارمة تقضي على الملامح المميزة والمعاني الإنسانية.وقد كنت أظن أنني الوحيد المرهق كلما زرت دبي نظرا لبداوتي الراسخة، لكنني اكتشفت أن غيري لديه نفس الإحساس بالإرهاق والضجر، قالت لي تركية تعيش في الدمام إنها لا تستطيع تحمل ثلاث ليال في دبي، وخلال الليالي الثلاث تشعر بأنها على سفر، إلى درجة أنها ترتب حقيبتها كل يوم استعدادا للمغادرة، أما أحد أصدقائي السعوديين فقد عاد أدراجه إلى الرياض بعد إقامة سنتين يقول إنه لم يقرأ خلالها كتابا واحدا لغياب النفس والوقت، وتقول إحدى اللبنانيات انها، رغم بيئة العمل المثالية والدخل المرتفع في دبي، إلا أنها لثلاث سنوات لم تنم نومة هنيئة كتلك التي كانت تنامها في حيهم في رأس بيروت.!!شيء ما يغيب عن دبي المزدهرة اقتصاديا أظنه العبق الإنساني وتجاعيد المدن، ولا أظنها قادرة على اكتساب هاتين الصفتين، كل شيء يشترى إلا المشاعر وبقايا السنين.osaimin@yahoo.com