محمد العصيمي

محمد العصيمي

نحن العرب قوم المطلق. وإذا تعلق الأمر بالسعوديين فإن المطلق يأخذ مداه إلى الحد (المطلق). كل ملحد علماني وكل علماني ملحد مطلقا. والإلحاد ليس أنواعا بالمطلق والعلمانية لا تقل شرا عن الكفر مطلقا. ومن ينادي بقيادة المرأة للسيارة في المملكة فاسق، على الأقل، بالمطلق. وبائع الخبز حتى لو طالت لحيته مطفف بالمطلق. ومن يبيع التمر في سوق الأحساء غشاش مطلقا. وهكذا تتوالى (الْمُطْلقَاتُ) في أمورنا كلها حتى لا يعود لدينا أمل في الحياة التي يكتنفها المنطق وتكتنفها الاستثناءات والنقاشات والأعذار، وما نسينا أو أخطأنا أو استكرهنا عليه. لا تصدق، أحيانا، ما تسمعه أذناك من شيء يسمونه حوارا، فكل قوم بما لديهم فرحون ومتأكدون وقادمون على صهوة الحقيقة التي لا تقبل التشكيك أو التنقيش، من النقاش. دار حوار بين شيخين على قناة المجد عن موضة الإلحاد. أحدهما سماها موضة. وبينما كان صاحب التسمية يحاول أن يفرق بين إلحاد وإلحاد إذ بالعلمانية تطل برأسها على البرنامج، فينتقل الحوار إلى معركة كلامية ليس لها أول من آخر. ثم أطل متصل ووضع المسـألة برمتها في خانة الردة. رِدة ولا أبا بكر لها كما قال المتصل الغاضب. حاول صاحب نظرية موضة الإلحاد أن يضع فروقا واضحة أفرزتها المدارس الفكرية الحديثة والممارسات في بلاد الكفر (المطلق) ولم يفلح، خاصة بعد أن جاء صوت من أستاذ دكتور بجامعة أم القرى يعلن أن كل علماني خارج عن الملة بالمطلق، وليس مقبولا أن يجري تصنيفا للعلمانيين يحاول أن يقبل بعضهم أو يتسامح مع البعض الآخر. وقعت مطرقة (المطلق) على رأس البرنامج وضيفه ومشاهديه وباءت كل محاولات إيقاظ المنطق بالفشل.وهنا، عند وقوع المطرقة على رؤوسنا، تمنيت لو أسأل الأستاذ الدكتور كيف يصح له في أقل من دقيقتين وبكلام تلفزيوني سريع، وعابر على أكثر تقدير، أن يضع العلماني في خانة الكفر ويذهب مرتاحا إلى فراشه؟ أليس من الأجدى والأجدر به أن يقول ان كل شيء قابل للنقاش والحوار، بل والجدال، إلى أن تتبين حقيقته وتنجلي أهدافه؟ لماذا تسد الأبواب في وجوه الناس على هذه الصورة إلى الدرجة التي لا يستطيعون معها أن يتفكروا ويتدبروا حتى يشكلوا قناعاتهم بأنفسهم، لتكون هذه القناعات أقوى وأمكث في الأرض المكتظة بالمتغيرات والأفكار المضادة؟أنا على يقين بأن من أسباب تخلف أمتي هو أخذها في أدبياتها المعاصرة بنظرية المطلق في كل شؤون حياتها. فما دمت لست على هذا الطريق الذي أنا عليه فأنت خارجي لن يقبل منك مطلقا ما تذهب إليه أو تتصوره. وإذا قلت لهم إن شبابنا يعانون الحيرة والتفكك النفسي والذهني جراء ما يتعرضون له من الأفكار والرؤى الجديدة، قالوا لنعيدهم جميعا إلى حظيرة الدين. كيف نعيدهم إذا كنا نحشرهم بين أدوات الجزم وأفعل التفضيل. وفقنا الله.osaimin@yahoo.com