محمد الحرز

محمد الحرز

من أسوأ الأوهام التي نعتقدها كمثقفين هو الارتباط الطبيعي بين ما نمارسه على صعيد الكتابة والإبداع من جهة, وبين ما نتخذه من مواقف على صعيد الحياة اليومية من جهة أخرى. أي معضلة المفارقة التي لا زالت تشغل ذهن الباحثين والمفكرين بين الواقع والمثال, أو القول والفعل, أو بلغة أهل التراث النظر والعمل. ما أريد مناقشته في هذه المقالة لا يرتبط بإفرازات هذه المعضلة لأن الباب واسع, وفيه مقولات واجتهادات كثيرة. لكني سأركز على طرح التساؤل التالي: من أين جاءنا الاعتقاد بالفرضية التي تقول بالتطابق بين ما يقوله المثقف وما يكتبه من جهة وبين سلوكه العملي من جهة أخرى. ولماذا كانت من أسوأ الأوهام في ظننا؟ أولا لم يكن مفهوم المثقف قبل عصر النهضة منتشرا في الأدبيات السياسية والثقافية العربية, ولم يعرف بوصفه حاملا للتنوير والنهضة والتقدم إلا في أوروبا. لقد كانت حملة نابليون على مصر تشكل عند أغلب الباحثين الانعطافة التي نبهت العرب على الفروقات الحضارية التي وضعتهم في مأزق حقيقي بين ذواتهم والآخرين. وعندما توالت الحملات الأوروبية على المشرق العربي ومغربه, ظهرت الحركات الوطنية التحررية بقيادة زعماء لم يسيطر على تفكيرهم مثل هذا المأزق. عبدالقاهر الجزائري الذي نفته فرنسا إلى الشام بعد هزيمة ثورته في منتصف القرن التاسع عشر عاش حياة المنفى دون أن يصاب تفكيره بأسئلة الأنا والآخر, بل وجدناه حازما في موقفه من الأزمة التي حدثت بين المسلمين والمسيحيين في جبل لبنان, وامتدت إلى الشام, وذلك حين حمى في قلعته مجموعة من المسيحيين كي لا يتم الاعتداء عليهم من طرف المسلمين الثائرين, في لفتة تنم عن أخلاق ارستقراطية واثقة من نفسها, ولا تشكو من دونيتها وتخلفها إزاء الآخر المستعمر. وهناك أيضا في تلك الفترة زعماء في مصاف المتنورين قادوا مشاريع نهوض لم يكتب لها أن تنجح - لأسباب ليس هنا محل شرحها- مثل السيد محسن الأمين, وبطرس البستاني. وربما السبب الأبرز يتصل بتفكك وضعف الإمبراطورية العثمانية, والمد الاستعماري على المنطقة. ثانيا: أبان عصر النهضة وحيث كانت مقولات الإصلاح والتحديث في التربية والتعليم والثقافة والسياسة تسود الوسط الثقافي والسياسي العربي كانت مصطلحات الداعية والشيخ ورجل الدين والمصلح والمربي هي الأكثر رواجا في أوساط الجماهير, والأكثر تأثيرا في الحياة العامة, ولم ينظر إلى المطلع على علوم الغرب, ومحاولة محاكاتها بشيء من الاتزان (خير الدين التونسي, الطهطاوي) بوصفه متآمرا على الإسلام والمسلمين كما هي عليه الحال الآن. يضاف إلى ذلك الإرث التاريخي الإسلامي الذي أحكم الطوق على كل ثقافة كان أصحابها ينشدون من خلالها تحرير الديني عن السياسي, ليس بالمفهوم الكنسي الذي طرح في الغرب, لكن بالمفهوم الذي يحرر الخطاب النبوي (من أحاديث, وخطب وسلوك وتعاليم) والقضاء من تدخلات رجال السياسة والحكام والمتنفذين منهم, ولم يكن الخطاب الصوفي في العمق منه سوى محاولة لفك مثل هذا الارتباط الوثيق في التاريخ الإسلامي. بالطبع هناك نماذج عديدة في التاريخ تمثل هذا الموقف, لكن لسنا هنا في صدد توسيع هذه النقطة, ما يهمنا هنا بالدرجة الأولى هو الخلاصة التالية: إلى مطالع القرن العشرين كانت الثقافة الدينية بالخصوص التي كانت تعتمد على الشروح والتفسيرات والهوامش والسحر والطرائقية هي الأكثر سيطرة على عقول الناس, بحيث لم يتم التمييز أو التفريق- وهنا المهم- داخل هذه الثقافة بين من كان رائدا بحق في مسألة الإصلاح والتربية الإسلامية, وبين من ظل يلوك مقولات الأسلاف دون تبصر أو نقد لديه, إلى أن دخل مصطلح المثقف على الخط, بعدها حدث التمييز أو لنقل الاصطفاف الاحترابي الذي انبنت عليه مقولات ثنائية الشيخ/ المثقف. وما ساعد مثل هذا الدخول عاملان الأول نشوء الطبقة الوسطى في الوطن العربي وتوسعها في التعليم وكذلك انخراطها في العمل السياسي. أما الآخر فهو نشوء الأحزاب السياسية في ظل سيطرة هاجس التحرر والتنمية, بالتأكيد هناك فروقات كبيرة بين بلد عربي وآخر في أسباب نشوء هذه الطبقة وإفرازاتها, وكذلك علاقتها بالأحزاب السياسية التي نشأت في ظلها. لكن بوجه عام أعتقد أن هذين العاملبن كان لهما الأثر الأكبر في بروز المثقف العربي بوصفه المنقذ والمخلص من التخلف والجهل والفقر والأمية والتسلط والظلم. كانت فكرة المنقذ هي فكرة ذات دلالات وحمولات تاريخية دينية مقدسة تشكلت من خلال تشكل الفرق الإسلامية لبنة لبنة حتى ترسخت في ذهن العامة وفي لاوعيه. وحين ينظر إلى المثقف بوصفه منقذا تكون صورته في الذهن أشبه بصورة البطل دونكيشوت الذي يحارب طواحين الهواء. والنتيجة هو تصديقه لنفسه لهذه الصورة. وهنا منبع التناقض الذي أسسنا عليه هذه المقالة, والنماذج عديدة في وطننا العربي سواء في الثقافة أو في السياسة أو غيرها. فقط تأمل جيدا وستكتشف ذلك بنفسك!.