محمد الحرز
تجربة الإنسان مع القراءة, ثم مع الكتابة إذا كان عليه أن يمضي بتجربته حد التورط مع الحياة والعالم , هي تجربة ينبغي على من يخوضها أن يسردها , أو على الأقل أن يتأملها من العمق , لأجل ذاته أولا , ولأجل الحياة التي عاشها ثانيا كشهادة على إنسان عبر نهر الحياة بشكل خاطف, وخفيف حتى من طيفه . لماذا القراءة على درجة من الأهمية؟ سؤال فيه من البداهة ما يكفي أن نقول على طارحه أنه ساذج , لأن القراءة جزء طبيعي من التكوين البشري في علاقته بالحياة , والآخرين , كما هي الحال بالنسبة للكتابة أيضا. وليس ثمة أحد في العالم لا يمارس حقه الطبيعي من تكوينه البشري . إذن أين تكمن مبررات طرحه هنا ؟ بالتأكيد نحن ندرك أهميته من خلال سبب رئيسي يكمن في كون قيمة الإنسان في الحضارة الحديثة أكثر ما ارتبطت بتجربته الذاتية: من تأمل , ومحاولة فهم, ونقد , وإصلاح , وثورة , وإرادة تغيير, وتحسين أوضاع, وإعلاء من شأن الذات. وتجربة القراءة هي إحدى أهم مفاتيح تلك التجربة التي تتموضع بدورها كمرجعية داعمة بشكل دائم للقيمة التي ترتبط بهذا الإنسان في تلك الحضارة . وحين نتحدث عن القراءة فبالضرورة نحن نتحدث عن الكتابة. لكننا هنا نحاول قدر المستطاع البحث عن تفاصيل دقيقة تميز الواحد منهما عن الآخر, لاسيما ونحن نضع أيدينا على مجمل أوضاعنا السياسية والاجتماعية والثقافية التي تجبرنا بطبيعة الحال على أخذها بعين الاعتبار, كلما حاولنا أن نحلل ظواهر اجتماعية وثقافية مأزومة في لحظتنا الراهنة. لذلك إذا كنا نعتقد بطبيعة العلاقة التي تربط الفرد بالقراءة في أي مجتمع , فأين يكمن الخلل عندنا؟ مقارنة بما صنعته هذه العلاقة في المجتمعات الأخرى , ولن أقول الأوروبية , فالعالم أجمع , وتشهد على ذلك جميع الإحصائيات التي تصدرها الأمم المتحدة , وهيئة اليونسكو , ومراكز البحوث ذات الطابع العلمي , وليس السياسي, جميعها تؤكد على حقيقة كون العالم العربي , لم يزل يقبع في الجهل , في أدنى المستويات فيما يتعلق بالقراءة والإنتاج الكتابي. بينما العالم في سباق محموم مع العلم والمعرفة والإنتاج الإبداعي والفكري والفني. بالتأكيد هذا النوع من الكلام أصبح ممجوجا عند البعض من كثرة ما تردد على مسامعها , وكذلك أصبح من فرط تكراره , لا يؤثر فينا نتلقاه كما نتلقى خبرا عاديا في حياتنا اليومية . ما يهمني قوله في هذه المقالة ليس هنا, بالتأكيد هناك عوامل سياسية وإقليمية وذاتية تاريخية , لها ارتباطها الوثيق بهذه الظاهرة الأزمة في مجتمعاتنا العربية بشكل عام , إنما يكمن في تأمل هذا الخلل انطلاقا من الأشكال الأولى للتلقي. الأشكال التي وعينا من خلالها معنى القراءة منذ الطفولة , ومن ثم تربينا عليها وسط أنساق ثقافية معقدة ومتداخلة , وكذلك وسط ظروف سياسية واجتماعية وأسرية وتربوية واقتصادية معينة أنزرعت في قلب حياتنا اليومية تؤثر فينا بالقدر الذي تتغلغل في مكونات شعورنا الجمعي والفردي على السواء. وسوف أسرد تجربتي مع القراءة بوصفها أحد أشكال التلقي التي أثرت فينا من العمق, بشكل موجز, على سبيل المثال , لا الحصر. في الأحساء التي تربيت فيها في السبعينات من القرن المنصرم , كان عليّ وأنا في سن مبكرة, كما بقية جيلي, للدخول في عالم مختلف وغريب , لا ينتمي إلى بيتك بوصفه عالمك الذي يشكل اطمئنانك الأول والأخير. في هذا العالم تعرفت لأول مرة على شكل من أشكال التعلم, وهو قراءة القرآن الكريم بطريقة جماعية , وبإيقاع جسدي موحد. كان البيت الذي نتعلم فيه هذه الطريقة في القراءة يسمى « بيت المطوعة, أو المطوع» . لا أعلم كيف ترسخت صورة هذه القراءة في ذهني, وترسبت في قعره مثل شجرة صلدة راسخت الجذور. هل هي طبيعة الأشياء التي نتلقاها بانبهار ودهشة في مرحلة من مراحل الطفولة الضائعة في دهاليز الذاكرة والنسيان ؟!!. يبدو لي ذلك . لا حقا من حياتي , وفي سياق تربوي تلقيت فيه أشكال عديدة من تعلم القراءة , في البيت ,المدرسة , العلاقات الاجتماعية المؤثرة , المسجد وممارسة الطقوس والعادات, كان النظام التربوي قد اكتمل ورسم شخصيتي في علاقتها بالقراءة . لكن أين بدأ التحول , وكسر مثل هذا النظام بعد فهمه وتأمله وتفكيك عيوبه وسلطته ؟ هنا تأتي ما أسميه تجربتي الحرة في القراءة . تكتشف مع هذه القراءة أن ثمة دهشة وبراءة وانجذابا تشدك إلى قراءة كتاب ما مهما كانت نوعية هذا الكتاب, لا تعلم مصدرها , أهو وعيك الباطني يحثك عليها أم أن شعورا دفينا استيقظ كي يحرر نفسه , يحررك معه , وذلك من خلال جملة في الكتاب أو فكرة , أو كلمة , أو الأسئلة التي يثرها فيك بطريقة أو بأخرى. إن هذه تجربة يمر بها كل واحد منا دون استثناء , لكن الفرق بين شخص وآخر , هو من يتشبث بها , من يوسع من تدليلها , من يعطيها مساحات شاسعة من وعيه وتفكيره ومخيلته, وبالتالي حياته تكون مرهونة بها , ولا فكاك.