محمد الحرز
ارتباط المثقف أو المبدع بمدينته كما هي عليه الحال في مدينة كالاحساء مسألة تبدو لي ملفتة للنظر. مسألة يمكن إخضاعها للتأمل والتحليل كونها من أهم المسائل التي تكشف عن المركبات الشعورية التي من أميز سماتها توطين المشاعر والأحاسيس على تقبل فكرة طهارة الأرض وقدسية ترابها وعراقة تاريخها. هذه الفكرة هاجس قوي يلامس من العمق الذاكرة الجماعية , ويعزز من شأن تدفقها في السلوك الاجتماعي والثقافي والأدبي بالدرجة التي تسمح لنا بالقول إلى أنها أصبحت إحدى أهم الصفات التي تحكم الفرد الاحسائي في تفاصيل حياته اليومية. ربما يبدو هذا الكلام عند البعض لا يتجاوز كونه من العموميات الذي يمكن تطبيقه وإسقاطه على بقية المدن الأخرى في علاقتها بأفراد ساكنيها ناهيك عن مبدعيها ومثقفيها. بالتأكيد هذا الاعتراض له وجاهته طالما كان تركيزنا ينصب فقط على الكشف عن السمات المشتركة بين المدن , وكل سمات مشتركة بينها لا تحتاج إلى تبيان أو توضيح لأن الهوية المشتركة للوطن نمارسها بشكل يومي , ولا تحتاج منا إلى إثبات رغم التباين بين الأفراد في شكل الممارسة وطريقة تطبيقها وفق التقاليد الاجتماعية والثقافية التي ترسخت في ذاكرة كل مدينة. أما لو ذهبنا في الكشف عن التفاصيل الدقيقة التي تنتج عن السمات المفارقة لكل مدينة , فإن الفكرة التي صدرنا بها المقالة تأخذ أبعادها الخصوصية استنادا إلى تلك الفروقات , وتصبح مشروعية تحليلها قابلة للفهم والاستيعاب.إن مظاهر وتجليات الارتباط الوثيق بين المبدع أو المثقف مع مدينته( الاحساء) تظهر عند المبدع في قصائده الطافحة بالحنين الطفولي لهذه الأرض , وكلك عند «المثقف» في خطابه حول قضايا الشأن العام , وفي تصوراته حول طبيعة العلاقة التي تحكمه بالمدينة ذاتها , وبالمجتمع ذاته. قد يقال هنا إننا نحتاج إلى تدليل , واستشهادات متنوعة , تعزز ما نقول . بالتأكيد نحن لا نعدم الوسيلة , ولا المادة المتنوعة والكثيرة في تطبيق ما نقول . لكن المسألة في تصوري لا تعدو كونها مجرد ملاحظات أولية , وتساؤلات لا زالت تتفتح في الذهن , وتنمو على مساحات شاسعة من التفكير . وعلى الرغم مما نرصده من مشاهدات عديدة , سواء على مستوى السلوك الثقافي والمناطقي , أو على مستوى الأدب والإبداع , في اليومي من العلاقات الاجتماعية والمناسبات والاحتفالات والطقوس , تعزز من فكرتنا حول صور الارتباط بين المبدع ومدينته , إلا أن الصعوبة لا تكمن في هذا المنطلق , إنما تكمن في غياب الكثير من المعلومات الاجتماعية والثقافية والتاريخية والسكانية والاقتصادية التي تعتمد على الملاحظات الميدانية , وعلى العمل الاستقرائي المنظم , من توثيق وتدوين وتسجيل وتبويب . هذا الغياب يقلل من موضوعية الفكرة, ويعزز من شأن الذاتية في الموقف والرؤيا. لكنه لا يمنعنا من المحاولة في فهم بعض الظواهر التي نعيشها كتجربة ذاتية على الأقل في حياتنا اليومية. إن ذاكرة المدينة الأحسائية تحتفظ بالشعر بوصفه أكثر الأجناس الأدبية احتراما ومكانة وحتى قدسية في النفوس والأذهان والعقول . هذه المكانة كما يدلل البعض مصدرها كون الأحساء لم تشهد في تاريخها القريب والمتوسط تحولات مفصلية تخض المجتمع من العمق , وتطرح عليه القضايا والأزمات التي تطرح على مجتمعات المدن المتشكلة حديثا. ولا يعني هذا الكلام أننا نضع معيارا تفاضليا بين المدن القديمة وبين المدن الحديثة . لكننا نريد أن نؤكد من جهة أخرى على حقيقة مفادها أنه إذا كان الشعر يشكل منبع القيم الأصيلة للإنسان العربي في التراث العربي من شجاعة وبطولة وكرم وفخر ونسب وسؤدد وحب.. ألخ. فإن هذا المفهوم أعيد النظر فيه ,وقيلت فيه آراء متباينة وفقا للتطورات اللاحقة التي حدثت في المجتمع العربي على مستوى بنية التفكير وبنية المجتمع وتغيرات العالم المحيط. لكن لأسباب لسنا في صدد استعراضها ظلت تطفو على السطح بعض البؤر السكانية التي احتفظت بحرارة هذا المفهوم ومعانيه المتعددة في ذاكرتها الجماعية , والذاكرة الأحساء بالتأكيد إحدى تلك البؤر التي احتفظت بحرارة هذا المفهوم . لذلك يصعب مع مثل هذه الذاكرة حصر الوظائف المتعددة للشعر اجتماعيا بالدرجة الأولى لكثرة تشعباتها , وكذلك لكثرة الطلب عليها كلما استدعت الضرورة إلى ذلك , وما أكثرها وسهولة توفيرها وتبريرها من دون عناء أو مشقة. حيث تصبح بالتالي شخصية الشاعر لا تنفصل عن الشعر , وكلما أنشد الشاعر قامت الذاكرة الشعرية بالتماهي مع ما يقوله, وأضفت عليه بعضا من صفاتها القدسية من منظورها الاجتماعي.وفي هذه الحالة يصعب أيضا التمايز أو التفريق بين ما يؤديه الشعر كوظيفة جمالية خالصة , وبين ما يؤديه كوظيفة اجتماعية موجهة ومقصودة.هذه إجمالا أهمية موقع الشاعر على خريطة المجتمع الاحسائي. هذه الأهمية تتأسس كما رأينا على وظيفتين الأولى محورية , وهي الوظيفة الاجتماعية , والثانية ثانوية وهي الوظيفة الجمالية الشعورية .الثانية تتبع الأولى , لكن الأولى تتلون بتلاوين المعاني التي تبثها الثانية. ولكن في الحالتين يبقى الشعر بالنسبة للوعي الأحسائي قيمة تعويضية لحنين مفقود في عمق التاريخ. وليست الرابطة « المقدسة» بين الاثنين ( المبدع ومدينته) سوى إحدى أهم مظاهر هذا الحنين المفقود.