محمد العصيمي

محمد العصيمي

إذا قام عبدالله بن عبدالعزيز قامت الدنيا السعودية. وإذا التفت التفتت هذه الدنيا إلى حيث يتطلع بهامته العالية إلى أفق تنموي وحضاري لا حدود له. الأحد الماضي أضاء الملك الطامح إلى بلد متقدمة تأخذ بناصية العلم، شمعة كبرى في القرية المحظوظة ثول. كانت الوجوه عبر مكان الحفل البهيج وعبر شاشات التلفزيون وروابط الإنترنت، مفعمة بالمعاني. ولأنني متابع حريص، بحكم المواطنة والمهنة، لما يجري في المملكة من أحداث ومنجزات، لم أر في حياتي بشراً يماثل بشر وضع حجر الأساس لجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية. شيء ما من التاريخ العربي العريق تدفق في شرايين أولاد المملكة وبناتها وهم يضعون مع الملك حجر الأساس للجامعة، التي ستضيء بنور العلم الحديث الجانب الشرقي للبحر الأحمر. تابع الناس كلمات الحفل الخطابي باعتبارهم جزءا من الطموح الملكي وباعتبارهم راسخين في الأرض التي عقدت النية على إرسال نور العلم إلى العالم بعد أن أرسلت، من قبل، نور الإيمان. وهنا لا بد أن أعيد الفضل إلى رئيس أرامكو، عبدالله جمعة، الذي قبض في كلمته على النورين فأضاء المكان بمفاجأة لغوية تعبيرية أُعطيت جوامع المعنى إن أردنا البعد الفلسفي للخطاب أو جوامع الكلم إن أردنا البعد البلاغي.وما أظنه جازما، أن بعض المناسبات، من كثرة ما هي مثيرة وغزيرة في تدفقاتها، تلهم خطاباتها صورا بليغة تقترب من الشعر الذي يلهمه الماء والخضرة والوجه الحسن. ولو تصورت أنك تقف في ذلك المكان، مع الملك الراشد، تطل من حاضر علمي (محزن) على مستقبل علمي مشرق ومفعم بالتفاؤل، فلك في اللحظة ذاتها أن تتصور كيف سيكون نبض حضورك ومشاعر خطابك وتقاسيم عودك على أوتار هذا المستقبل.الذين كانوا هناك في تلك اللحظة العلمية العربية الاستثنائية، وعلى رأسهم الملك المشغول بالعلم والعلماء، سيذكُرهم التاريخ وستحتفظ ريح ثول بهبات فرحهم وابتساماتهم، حتى لو سافرت هذه الابتسامات، بعد الحفل، إلى دلهي أو لندن أو سيدني أو طوكيو. هبات العلم الاستثنائي لا تعترف بالجغرافيا السياسية، كما أن هبات الموسيقى الاستثنائية تقع موقعا جميلا في كل أذن، من أقصى جزيرة في البحر الأندونيسي إلى قريتي التي تتلحف نفود الثويرات في الزلفي، أو قريتك التي تسكن كتف حاضرة طنجة في المغرب.العلم في طموحاته ونتائجه ليس بذرة في حقلك دون حقول الآخرين. وحسب علمي المتواضع لا أعرف شجرة تمد ظلالها إلى كل الباحثين عن الظل مثل شجرة العلم، فهي حين نبتت في أثينا مثلا امتدت إلى بغداد ودمشق والأندلس، وكانت مصر المحروسة دائما تحت الظل الهائل لشجرة العلم، أعطت وأخذت حتى باتت أم الدنيا.الآن واحدة من بنات الدنيا اسمها ثول، تتنفس من رحم أمها المملكة، لتأخذ من العلم الحديث أزهاه وتهدي العالم الأبحاث والقيم والتسامح. يعود العصر العربي الأرقى والأنقى من هنا. من أرض النورين.