محمد العصيمي
كلنا أيتام على مائدة هذه الحياة الدنيا، فأبوانا، حواء وآدم، توفيا مطلع الكون وتركانا في كبد ونصب واقتتال على اللقمة التي تسد جوعنا والهدمة التي تستر عوراتنا والبسمة التي تعيد إلينا شيئا من ريح الجنة التي ضحيا بها من أجل شهوتهما. الإنسان، وأنا هنا مسموح لي بالفلسفة التي لا تؤدي إلى الإلحاد كما هو شائع، شر مستطير على أخيه الإنسان، وكأن الأمراض والكوارث الطبيعية لا تكفي لتعظ هذا الإنسان فيمعن في نهب اللقمة من فم الآخر، بينما يتضور هذا الآخر أو يرسل إلى القبر مشفوعا بصك القهر البشري حين تتلبك معدةٌ من كثرة الطعام وتعوي أخرى من ألم الجوع وجروح الأمعاء.في العالم، القديم والحديث، اخترع الإنسان التمايز ليبرر حيوانيته وليستشعر، رغما عن الحقيقة التي تصرخ في وجهه، الاختلاف عن الأنواع الأخرى. في ذات السياق، استطرادا، كنت دائم التفكير في اختراع ابن آدم للتمايز، الذي طور أدواته عبر حقب زمانية متتابعة إلى أن وصل إلى نظرية النقود، تلك النظرية التي قادت إلى تطبيقات قامت على قاعدة الأكثر والأقل. وربما انطلاقا من عقدة شخصية أو حقد طبقي لا أجد لمسألة الأكثر والأقل مبررا. فكل المخلوقات عدا الإنسان تعيش فيما يتعلق ببطونها وبيوتها وأمزجتها بتماثل تام ويفترض أن يكون هذا الإنسان على نفس طبيعة هذه المخلوقات، لكنه بعقله، الذي يعتبره خاصيته العظمى، لجأ إلى اختراع جملة أكاذيب من بينها كذبة الذكاء، التي بنى عليها على المستوى الفردي تبريراته، كونه يأكل ويلبس ويركب ويسكن ويتدفأ ويتكيف بشكل أفضل من الآخر لأنه أذكى. ولو فكر قليلا لوجد أن صفة الذكاء صنعة بشرية رخيصة لم تُسعفه في التمايز عن الآخرين حين يحتاج إنسان أذكى أو أقل ذكاء إلى قضاء حاجته، فالرائحة المنبعثة من براز الأذكى هي نفسها الرائحة المنبعثة من براز الأقل ذكاء. وإلى الآن لم يتوصل الإنسان الذي اخترع كذبة الذكاء إلى اختراع كذبة أخرى لتعطير مصرانه ليكون ناتجه في الحمام مفعما بدهن العود مثلا. لكن ما مناسبة هذا الموضوع الذي سيبدو لكم مضطربا وغريبا؟ المناسبة هي أنني كنت في حالة من مناكفات التواضع حين حضرت حفلا لإسعاد الأيتام مؤخرا. لم أجد ما يبرر بقاءهم على هذه الحالة لو أن الإنسان عاش على طبيعته التي خلقه الله عليها. الإنسان في كل الدنيا يصنع المأساة ثم يستدني الناي ليعزف لحنا حزينا ينقله إلى مأساة أخرى: الاضطراب البشري هو سيد الموقف في هذه الحياة الدنيا، ونحن وقود هذا الاضطراب. إن فهمتم فبها وإن لم تفهموا فما علي إذا لم يفهم (......).osaimin@yahoo.com