محمد الحرز
ترجع جذور الالتباس بين مصطلحي الإسلام السياسي والأصولية الإسلامية إلى كون مصطلح الإسلام نفسه من الأسماء المعممة الذي ظل يتداول بإزاء مصطلح آخر معمم أيضا وهو «الغرب» سواء في العقلية الأوروبية أو الإسلامية على حد سواء. لذلك هذا الزوج الثنائي مثقل بالإيديولوجيا والتصورات التاريخية الجاهزة, ومن الصعوبة بمكان التخلص من هذا الإرث, أو حتى التحايل عليه كما يقول إدوارد سعيد, بل علينا أن نعترف بوجود هذه الأسماء المعممة بوصفها جزءا متكاملا من التاريخ الثقافي, وليس بوصفها تصنيفات موضوعية. أي علينا بمعنى آخر أن نعرف ظروف نشأة المصطلح تاريخيا واجتماعيا, وحركة تطوره في تاريخ الفكر وطرق استنباته في الذهنيات والعقول, وكذلك ارتباطه بالأنساق الثقافية للسلطة أو الدولة, وليس علينا أن نضع هذا الزوج الثنائي كحد فاصل بين عالمين متعاكسين أو حضارتين متصارعتين كما يروج له البعض. في مقاله «الإسلام في وسائل الإعلام» يقول إدوارد سعيد ?إن مصطلح الإسلام كما يستخدم اليوم يبدو وكأنما يدل على شأن واحد بسيط لكنه في الحقيقة وهم في بعض أجزائه ودفعة إيديولوجية في بعضه وهو تحديد وتعريف بسيط جدا لدين يعرف بالإسلام في بعضه الآخر. ولا تقوم أي مقابلة مباشرة على أي درجة من الأهمية الصحيحة بين الإسلام في المصطلح الغربي الرائج وبين الحياة الزاخرة بالتنوعات الهائلة التي يحفل بها عالم الإسلام بسكانه الذين يزيد عددهم على الثمانمائة مليون نسمة, وبحدوده الشاسعة التي تمتد وتشمل الملايين من الأميال المربعة في أفريقيا وآسيا بصورة أساسية, وبالعشرات من مجتمعاته ودوله وتواريخه وجغرافياته وثقافته المميزة. هذه الحقيقة التي ينبهنا إليها إدوارد سعيد, جعلت بعض الكتاب يطرح مصطلح «الإسلاميات التطبيقية» وهو محمد أركون, وذلك تفاديا للتعميم والاختزالية من جهة, واستخدامه من جهة كتحليل نقدي ضد خطابات المستشرقين التي تحتل مساحة ليست بالقليلة في خطاب أركون النقدي نفسه. وإذا كان الخلل الذي يخلفه الفرق الشاسع بين المصطلح من جهة والواقع من جهة أخرى هو أحد أهم المآزق التي تواجه الفكر الحديث فإن الكشف عن ملابساته هو في ظني من أهم وظائف التفكير التاريخي الذي ينبغي على المثقف أن يمارسها بعمق ووعي كبيرين. فتعريف الأشياء أو الأسماء هو نوع من التأويل, وامتلاك التأويل وفرضه على المجتمع يتطلب امتلاك الواقع بالقوة كما يقول جيل دولوز. هنا نعود إلى إدوارد سعيد مرة أخرى في كتابه «الاستشراق وما بعده» فهو يقرر الحقيقة التالية «أن كل الجماعات التي ننتمي إليها بحكم الولادة ليست بالحصينة ضد النزاع التأويلي, وإن ما يبدو في الغرب على أنه بروز للإسلام أو صحوة له, أو عودة إليه هو في الحقيقة صراع في المجتمعات الإسلامية على تعريف الإسلام. فليس لشخص أو سلطة أو مؤسسة سيطرة مطلقة على ذلك التعريف؛ ومن هنا النزاع بالطبع». ما يقوله سعيد يمكن اعتباره ضمن النظرة التي تشخص حالة المجتمعات الإسلامية إجمالا, والتي لا تتعارض في جانب منها مع بعض النظرات التي يأتي تشخيصها فيه شيء من التفصيل في رصد الحالة. لا يقبل الكاتب عبدالإله بلقزيز في كتابه «الإسلام والسياسة» أن يطلق صفة الأصولية الإسلامية على الجماعات الإسلامية السياسية, فهو لا يبحث عن سبب صعود هذه الظاهرة- كما سنرى مع كاتب آخر- إنما يسميهم بدلا من ذلك بـ «بالفروعية الإسلامية» لأنهم في مقالاتهم وأدبياتهم السياسية أقرب إلى الفروع منهم إلى الأصول. إنها - كما يقول- «تفكر في شأن الحاضر من داخل نصوص هي بالتعريف في عداد الحواشي والشروح والمختصرات. فما معنى اليوم أن يفكر الإسلامي بإعْمال نصوص أبي الاعلى المودودي, أو محمد إقبال, أو سيد قطب, أو حسن البنا. وما معنى أن لا يبلغ أصله ما قاله الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى المقررة». لكنه من جهة أخرى يحيل مفهوم الأصول أو يطابقه مع حقبة عصر النهضة, عصر جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده, فهو يقرر أنهم هم الأصوليون دون أن يكون المفهوم نفسه في تحليله مثار شك أو مساءلة أو حتى البحث عن جذور تصوراته التاريخية قبل استخدامه أو توظيفه في تحليل ظاهرة الإسلام السياسي. أما الكاتب عبدالوهاب المؤدب في كتابه «أوهام الإسلام السياسي» فهو يقارب الظاهرة الأصولية الإسلامية من خلال مفهوم نيتشه عن الأخلاق الارستقراطية وهي عنده حسب قوله «الأخلاقية الواثقة من نفسها ذات الخطاب المتمركز على الذات» وقد صنف نيتشه العرب ضمن الشعوب التي تصرفت عبر التاريخ بناء على هذه الأخلاق. هذه الأخلاق تحولت شيئا فشيئا مع ضعف الحضارة الإسلامية إلى شعور بالحقد. «فمن موقع السيادة تحول المسلم إلى رجل لا الفاقد للمبادرة والمكتفي بردة الفعل, يراكم الحقد وينتظر الوقت المناسب للانتقام. هذا الشعور الذي لم يعه نما خفيا في داخله حتى احتل موقعا مركزيا» هذا التفسير النفسي الذي يقول به الكاتب يربطه بالعمليات الأصولية التي يقوم بها الأصوليون من عمليات انتحارية, لكنه تفسيرا كما إدوارد سعيد يبقى تفسيرا مجملا يجيب عن بعض الأسئلة العالقة حول هذه الظاهرة, وليست كلها.