محمد الحرز

محمد الحرز

هناك ما يشبه اللبس بين مصطلحين جرى تداولهما في مجمل الدراسات الغربية التي حاولت أن تقارب ظاهرة « الصحوة الإسلامية « وتاريخية انبعاثها في المجتمعات العربية والإسلامية , وخصوصا ما أفرزته من حركات سياسية( كالإخوان المسلمين في مصر والأردن وحركة حماس في غزة , وحزب الله في لبنان..إلخ) كانت ولا زالت تتغذى على مرجعيات أو مقولات ثقافية وسياسية واجتماعية تدعي تلك الحركات أنها من صميم التراث الإسلامي , قاطعة بذلك من جهة أخرى أي إمكانية لبناء جسور تواصل مع الغرب أو الحداثة الغربية. إن الإسلام السياسي والأصولية الإسلامية هما اللذان دخلا دائرة الالتباس بحيث أصبحا مترادفين في المعنى حينما يتم استحضارهما في الخطابات, ويشيران إلى معنى وحيد ونهائي. علينا أولا أن نفرق بين الإسلام في الوعي الأوروبي , والإسلام في الوعي الأمريكي, ناهيك عن الخطابات المتنوعة للاستشراق- الذي هو صنيعة أوروبا بامتياز- بمدارسه الثلاث الانجلوسكسوني والفرانكفوني والمدرسة الألمانية الكلاسيكية منها أو الحديثة كما يؤكد على ذلك ادوارد سعيد سواء في كتابه الاستشراق أو كتابه « تغطية الإسلام « أو الآخر» الإسلام الأصولي». ثانيا وحتى في الوعي الأوروبي نفسه هناك مواقف متباينة من الإسلام رغم الصورة النمطية العدائية التي حكمت هذا الوعي منذ الاهتمام المتزايد بالإسلام في أواخر القرن الثامن عشر. فهناك مواقف يتسم أصحابها بالخبرة والتجربة المباشرة وكذلك رهافة الخيال في علاقتهم بالإسلام « شعراء وكتاب أمثال غوته وجيراردي نرفال وريتشارد بيركون وفلوبير ولويس ماسينيون . أما « معظم فلاسفة التاريخ الكبار من هيغل إلى شبنجلر فنظروا إلى الإسلام بدون كثير حماسة. أما بخصوص الوعي الأمريكي فقد كان الاهتمام بالإسلام محدودا جدا, ويرجع ادوارد سعيد هذه المحدودية إلى : أولا ندرة الاتصالات مع العالم الإسلامي إلا بعض الاستثناءات القليلة كما جرى في القرن التاسع عشر مع بعض الرحالة مثل هيرمان ملفيل, أو مع الإرساليات التبشيرية , أو الحملات العسكرية في شمال أفريقيا. ثانيا كانت معظم الدراسات حول الإسلام قبل الحرب العالمية الثانية تنجز داخل أروقة المباني الأكاديمية , على أيدي خبراء لم يكونوا وثيقي الصلة بالإعلام والصحف. ثالثا لم يتمتع كبار المتخصصين في الإسلام بمكانة عالية كما هي عليه الحال مكانة جاك بيرك في فرنسا أو ألبرت حوراني في انجلترا , ويرجع ادوارد سعيد ذلك إلى أن معظمهم غرباء المولد مثل اللبناني فيليب حتى في جامعة برنستون والألماني جوزيف شاخت في جامعة كولومبيا. وعندما يتساءل ادوارد سعيد عن السبب الذي جعل من الإسلام مثار اهتمام الغالبية العظمى من الأمريكيين , فهو يربطه بالأزمات السياسية والقضايا الرائجة في الإعلام مثل النفط , إيران , افغانستان , أو الإرهاب . « ومع حلول- يقول- منتصف عام 1979 أصبح ذلك برمته يدعى الثورة الإسلامية أو هلال الأزمة أو قوس عدم الاستقرار أو صحوة الإسلام». فكان هذا الاهتمام موجها سياسيا من خلال خبراء يطلقون تعميمات في الإعلام حول العقل الإسلامي. خذ على سبيل المثال برنارد لويس في مقالته « جذور السخط الإسلامي» فهو يفترض مسبقا أن الإسلام في فترات كبيرة منه نفخ في أتباعه روح الكراهية والعنف. يقول « ومن سوء حظنا أن غالبية هذه الكراهية والعنف موجهة ضدنا في الغرب» هذه الفرضية عنده من باب المسلمات , إنها رؤية للتراث الإسلامي تتسلل إليه من باب الدراسات الثقافية العرقية والقومية الشوفينية. وهو في إطار بحثه عن أسباب هذه الكراهية لا يجد سوى مصطلحي دار الإسلام الذي يقابله دار الكفر اللذين هما وثيقا الصلة بالجهاد , كي يبرر بهما هذا العداء , وحتى عندما يشير على الإمبريالية أو الدعم الأمريكي لإسرائيل كسبب مباشر فهو يقلل من شأنها أو يحاول تفنيدها من منظور ثنائية الغرب المتحضر والشرق المتخلف. فالكراهية عنده لا تطال الجوانب السياسية فقط , لكنها تطال الحضارة الغربية بجميع قيمها تقريبا . هذا هو نموذج للكراهية العبثية التي يقول بها برنارد لويس , وهذا العبث لا يمكن ردعه إلا بالقوة العسكرية. وحين نعلم أن تحليله أطلقه في التسعينات على أثر صعود المد الإسلامي كما يقال, فهذا يفضي بنا إلى القول ان تحليله كان من أقوى التبريرات التي روجت لعودة الاستعمار من جديد إلى المنطقة( غزو العراق وأفغانستان) والتي قبعت في لا وعي غالبية الأمريكيين. هذا يبين إلى حد كبير مدى العلاقة الوثيقة بين القوة والمعرفة التي حللها ادوارد سعيد بجلاء. وفي حالة برنارد لويس لم يكن استثمار خطابه سياسيا سوى الدلالة على التحول الذي طرأ على العلاقة بين إنتاج المعرفة من جهة , والمثقف من جهة أخرى. وهو تحول لسنا في صدد الحديث عنه الآن . لكننا نود أن نتساءل الآن لماذا افترضنا مشروطية التفريق بين الوعي الأوروبي من جهة , والوعي الأمريكي من جهة أخرى , وذلك قبل تحليل الالتباس الحاصل بين المصطلحين في الذهنية الغربية , وما علاقة كل ذلك بالإسلام والغرب في لحظتنا الراهنة؟. يتبع في حلقة قادمة.