محمد الحرز

محمد الحرز

بروز الظاهرة الأصولية في العالم هي نتاج مشاريع الممانعة والمقاومة ضد مشاريع الدول الاستعمارية والنظام الرأسمالي الاستهلاكي, فالمنظمات الحقوقية والبيئية والنسوية والقومية الراديكالية المنتشرة حول العالم هي إحدى أهم مظاهر الممانعة تلك. لكن دائما يجري في خطاب الحداثة الغربي ربط هذه الأصولية بالإسلام, فيقال ?الأصولية الإسلامية?, وكأن الأصولية بوصفها رفضا للحداثة وأفكار عصر التنوير اختزلت في الإسلام فقط. ولأسباب سنأتي على ذكرها جرى توثيق العلاقة بينهما حتى إنها أنزلت منزلة المسلمات ليس في الفكر الغربي فقط, وإنما امتد تأثيرها في صميم الدراسات الفكرية العربية. وهناك بعض الدراسات ميعت مصطلح ?الأصولية? بغية تأسيس نظرية جديدة من منظور فلسفة التاريخ مرجعة المصطلح ذاته إلى جذوره الإسلامية في اللغة ودلالاته في القرآن وتاريخه المقدس كما هي دراسة أسامة خليل في كتابه ?الإسلام والأصولية التاريخية?. لكننا نرى أن ترحيل المصطلح في عملية التحليل من الحقل السياسي الثقافي إلى حقل فلسفة التاريخ لا يفضي إلى إجابة السؤال المهم وهو: كيف برزت الظاهرة الأصولية في العالم؟ لكنه بالتأكيد من جانب آخر يثري دلالات المصطلح وبالتالي يعمق منظورنا للتاريخ الإسلامي من العمق. ولفهم الظاهرة ينبغي دراسة المفهوم نفسه وتحليله, ولكن ما حدث منذ بروز الحركات الإسلامية وتنظيماتها السياسية الرافضة للغرب وسياساته التعسفية في العالمين الإسلامي والعربي هو التالي: جرى مطابقة مفهوم الأصولية (القدحي في الذهنية الغربية) بالصورة الجزئية- وليست الكلية- التي كانت تمثلها تلك الحركات داخل الإسلام, وكأن تلك المطابقة ترى أن الإسلام مجرد وحدة متجانسة يمكن التعبير عنها في مفهوم تحليلي دون أشكلته أو تأزيمه. وقد عمق هذه المطابقة خطاب إعلامي غربي كان يرى في صورة المسلم ?الإرهابي? رمزا للإسلام الذي يرفض التطور والتقدم والحرية. وكانت هذه الصورة تتغذى على عدة خطابات ونصوص تأسيسية في الفكر الحداثي الغربي جميعها كانت تتسم بالمركزية الغربية, لا سيما في مفهومها عن الدولة- الأمة الذي تبلور بعد معاهدة وستفاليا في أوائل القرن السابع عشر إثر حروب دينية طاحنة دامت ثلاثين سنة, وجرى بالتالي تقسيم أوروبا بعد تفكيك الأمبراطوريتين النمساوية- الهنغارية والعثمانية إلى دول قومية. لذلك كان يرى الفكر السياسي الغربي أن أي مشروع سياسي لبناء دولة خارج هذا التصور مكتوب له الفشل, وأن أي رفض لتصور الدولة - الأمة هو رفض للحداثة ومكتسباتها على العموم. وعندما فشلت الأحزاب القومية العربية في تأسيس دولة حديثة بناء على التصور الغربي للدولة جرى ربط ظهور الحركات السياسية الإسلامية بهذا الفشل. لكن هذا التعليل ناقص ولا يجيب من جهة أخرى عن سبب فشل الليبرالية والاشتراكية في الظهور بدلا من الحركات الإسلامية حين فشلت المشاريع القومية. لماذا الإسلام السياسي بالذات؟! يجيب البعض لأن الكمالية العلمانية في تركيا سببت شرخا عميقا في ضمير الأمة الإسلامية وحركت هويتها من العمق. يقول مصطفى كمال أتاتورك ?لا تشمل العلمنة فصل الدولة عن مؤسسات الإسلام فحسب بل كذلك تحرير العقل الفردي من المفاهيم والممارسات الإسلامية التقليدية? وعليه قامت الدولة بالتدخل في الشؤون الخاصة للفرد في علاقته بالإسلام, وهذا بالتأكيد مناقض لشروط العلمنة الغربية ذاتها التي تبنتها الكمالية وزادت عليها بقطع أي صلة لها بالتراث الإسلامي في عملية تغريب أثرت بلا شك في الأمة الإسلامية. لكن أيضا هذا النوع من التعليل لا يجيب على السؤال السابق كاملا, فالثورة الإسلامية في إيران على سبيل المثال تظل عصية على مثل هذا التعليل. فظهور الإسلام باعتباره ردة فعل على قمعه وطرده من الحياة السياسية واتهامه بالرجعية لا يشكل عاملا حاسما في تفسير ثورة معقدة مثل الثورة الإسلامية في إيران, يمكن يفسرها في أماكن أخرى, لكنها بالتأكيد لا تنطبق على جميع الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي. في كتابه ?الخوف الأصولي? ينطلق ?بوبي س. سيّد? من نظريات ما بعد الحداثة موسعا من التحليل الماركسي من جهة, ومن التحليل البنيوي من جهة أخرى, وهو فيما يحلل ?الإسلاموية? كما يسميها يفكك الثقافة المركزية الغربية بعمق وشاعرية. ما يهمنا هنا هو النقطة التالية: يتساءل المؤلف ما هي الأصولية الإسلامية؟ تتمثل إحدى طرق الإجابة عنده في ?مفهمة الأصولية بوصفها خطا من ضمن ظاهرة أعرض, بوصفها حركة تشمل مشاريع سياسية تتمثل في منظمات مثل غوش إيمونيم في إسرائيل أو شيف سينا في الهند أو الائتلاف المسيحي في الولايات المتحدة. وفي هذه المقاربة لا تعود الأصولية حكرا على المسلمين, إنهم مجرد مثل واحد على أمر هو معلم عام من معالم عالمنا المعاصر? وهو يعلل هذا الاحتكار على المسلمين باعتبار المسلم تحول إلى أيقونة أصولية على حد تعبيره جرى تكريسه في هوليود وإبرازه كموضة إعلانية. لكن السؤال يظل قائما عن سبب الانبعاث للإسلام السياسي, وهذا ما يقودنا إلى إدوارد سعيد في مقالة قادمة.