محمد الحرز

محمد الحرز

لم تترسخ جذور المشهد الشعري بالمعنى التحديثي , في تربة الجزيرة العربية إلا في إبان الفترة التي تم فيها توحيد المملكة ، حيث شبه الاستقرار الاجتماعي وكذلك إرساء قواعد الدولة التي واكبها ، وجعلت من إمكانية الحديث عن تحولات اجتماعية صوب التجديد في الأدب وفنونه في إطار الممكن والواقع .. والحجاز أكثر المناطق تأثرا بمسار تلك التحولات لأسباب جغرافية وتاريخية لسنا في صدد الحديث عنها هنا .. لكنّ الاهتمام بالتجديد لم يكن يخلو في بعض المناطق كالاحساء والقطيف ونجد وإن كان بوتيرة أقل .. لقد كانت مرحلة النصف الأول من القرن العشرين مفصلية في تطور القصيدة شكلا ومضمونا ، حيث ستكون لاحقا القاعدة التي ستبني الأجيال الشعرية عليها سمات المشهد الشعري بالمملكة ، وتعتمدها كركيزة للنهوض , إنها مرحلة برزت أثناءها أصوات كانت تؤسس لمشهد شعري يحاول الخروج عن المحافظة والتقليد الذي لازم الكتابة الشعرية منذ فترة ليست بالقصيرة .. كانت دوافعها تنطلق من أهمية التطورات الاجتماعية والأدبية والسياسية والثقافية التي طرأت على مجمل الوطن العربي خصوصا في مصر والشام , في النهوض بالأدب وبعثه من جديد كي يواكب ما يجري من تطورات للأدب في البلدان العربية الأخرى .. كما أن أدب المهجر وما لازمه من دعاوى ومقولات تجديدية في الشعر كان ماثلا بالتأكيد أمام هؤلاء الذين برزوا في تلك الحقبة .. بالطبع كان الأديب محمد حسن عواد أكثر مجايليه من الأدباء كحمزة شحاتة وأحمد قنديل وطاهر زمخشري وغيرهم .. حماسة في تبني الآراء التجديدية التي راجت حول الشعر والأدب بشكل عام .. ولم يكن كتابه «خواطر مصرحة « سوى خلاصة مواقفه النقدية الطليعية التي تتطلع إلى النهضة والإصلاح, والتحسر على ما وصل إليه الشعر والأدب من جمود وتآكل .. لكن في نهاية الأمر ظلت القصيدة على أيدي هؤلاء تتقدم إلى حداثتها ببطء بحكم ظروف المرحلة وثقافتها حتى جاءت فترة السبعينيات التي شهدت فيها البلاد قفزة نوعية نحو الحداثة المادية ذات الطابع الاستهلاكي بفعل الرخاء الاقتصادي من جراء العوائد النفطية الضخمة التي امتلأت بها خزينة الدولة , الأمر الذي أحدث خلخلة كبيرة في بنية المجتمع السعودي وفي نظامه التربوي وفي شكل تلقي ثقافته وطريقة التعبير عنها أي أن ظهور قيم ثقافية تمتاز بالنظرة الاستهلاكية حد التخمة نتيجة الانفتاح والتحول نحو مكتسبات الحداثة هو الذي حكم مجمل العلاقات الاجتماعية فيما بينها من جهة ، وبينها وبين الدولة ومؤسساتها من جهة أخرى .. هذه الخلخلة استطاع تأثيرها أن يمتد إلى العمق من النشاط الإبداعي والأدبي لجيل شعراء السبعينيات والثمانينيات أيضا .. لكنه تأثير مصبوغ بأزمات خارجية كذلك , فنكسة 67 وما تبعها من هزائم وشعور عربي بالانكسار جعل قصائد هؤلاء تنطوي في العمق منها على غربة مزدوجة : غربة البحث عن الوطن الإنسان في ظل الاستهلاك الثقافي , وغربة البحث عن الهوية العربية في ظل هزائمها المتتالية .. وما بين الغربتين سوف تكتب القصيدة تاريخها الخاص ، فيما هي لا تكف عن قول ما لا يقال ، طالما كانت حياتهم التي يسقون أشجارها بماء الأحلام لم تملأ سلال صحراء الأجداد بالثمار الناضجة , وكان عليهم أن يمسكوا أغصانها كي لا تقع على كلماتهم , أو يدربوا الهواء المحروس من الضياع في قعر أرواحهم كي يصبح رقيقا حين يعبر فوق ظلالهم المكشوفة للشمس الحارقة , وكان عليهم فقط أن يستعيدوا صوت السلالة من ذاكرة التراب , وأن يصقلوه بالغناء الشجي , وهذا ما كان حينما وظف هؤلاء الشعراء في قصائدهم الرموز التاريخية والشعبية ، والأساطير المحلية , لا لكي يستعيدوا حياتهم التي تناهبتها الغربة .. يقول محمد العلي الشاعر المؤسس للحداثة الشعرية في تلك الفترة في قصيدة « غربة» : « أهنا تربتي ؟ أهذي التي انسلت رهافا من غمدها أجدادي , يا حياة اركضي ، فقد ذبل النور وشل العناء موت الحادي» .. إنما ليحقنوا قلقهم الوجودي والنفسي بمصل الأنا الجماعية التي أنزلوها منزلة المقدس في نصوصهم , وفي رؤيتهم للكتابة الشعرية الحديثة .. ديوان رياح المواقع للشاعر علي الدميني يشي بذلك ويؤكده , وكذلك قصيدة التضاريس لمحمد الثبيتي , وبتكثيف أقل عند محمد جبر الحربي ، والصيخان ، وفوزية أبو خالد ، وسعد الحميدين , ورغم التباين في التوظيف وزاوية النظر إلا أنهم كانوا يصدرون عن إحساس مشترك بالضياع , وما كان يغذي هذا الإحساس فنيا وأسلوبيا هو الأثر الثقافي والأدبي الذي تركته حركات التجديد في الشعر العربي , وبالأخص تجربة شعراء مجلة شعر.