محمد العصيمي

محمد العصيمي

نفتني زوجتي، مع سبق الإصرار والترصد النسائي، إلى السطوح مع مكتبتي. قالت وفي فمها سماحة لا تظهر في أفواه النساء إلا حين يتربصن برجالهن: الأولاد تركوا غرفة الألعاب فوق وهي واسعة وجيدة و.... وأنت تحتاج إلى مكان هادئ بعيدا عن ضوضاء التلفزيون والألعاب وأصواتهم مع أترابهم. ولذلك.... لذلك أقترح عليك، والقرار لك طبعا!!، أن تنتقل إلى تلك الغرفة بدلا من أن تبقى مهجورة رغم ما صرفنا عليها من البناء والتجهيزات. كانت قد أعدت خطابها على أكمل وجه فوجدتُ نفسي بين ليلة وضحاها أسكن مع كتبي تحت الشمس مباشرة، بل إنه لم يسمح لي بنقل المكتبة من البيت إلى السطح إلا أثناء غيابها لتتجنب ضوضاء العمال وتبعات الانتقال القسري من روائح وغبار ...الخ.للزوجات مع كتب ومكتبات أزواجهن حكايات طريفة متعددة حتى أن بعضهم فسر الأمر بغيرة الزوجة من الكتاب، الذي يجلس معه الزوج أكثر مما يجلس مع زوجته. وربما تكون المشكلة أن الكتاب يتجدد ولذلك هي تعتبر كل كتاب جديد ضرة تقتحم عليها حياتها وتصرف زوجها عنها لفترة من الزمن. وقد روى أحدهم أنه حتى بعد أن تقاعد عن النساء والعمل ظلت زوجته تعامل الكتاب على أنه زائر غير مرغوب به للبيت، لكن حظ الكتاب مع المتقاعدين هو أنه يظل قابلا للمطالعة والتمتع والمطارحة الفكرية.أما إن كان الزوج «دودة كتب» كما يقولون فإن الزوجة تشتكي الأمرين من الفوضى وعدم الترتيب وتناثر الكتب في كل أرجاء البيت، إلى درجة أنها تعتذر من كل زائرة من كون زوجها قارئا نهما ولذلك توجد الكتب في كل مكان من البيت، حيث عجزت عن تحقيق أملها في أن يخصص مكانا واحدا للقراءة وهي يئست من تعديل (سلوكه) وتغيير هذه العادة السيئة..!!ولأن أغلب عاشقي الكتب مفلسون فإن حمى الزوجة تشتد حين يذهب جزء ليس باليسير من الدخل الفقير لصالح الكتب، التي لا يتردد زوجها عن شرائها بأي كمية وبأي ثمن، بينما هي أو عيالها لا يحظون إلا بأقل القليل من مباهج الحياة وزخرفها. ولا أستبعد أن أرى امرأة في المحكمة ترفع دعوى قضائية ضد زوجها الذي يُقصر في نفقتها لأنه يصرف جل ماله القليل على الكتاب، ضرتها وسبب النكد المقيم في حياتها. ولا أستبعد أيضا أن يختار الزوج السجن إذا ما كان الثمن أن يمتنع عن شراء الكتاب لينفق المال على حاجات وتطلعات زوجته وعياله، فعاشق الكتاب هو شخص مدمن بشكل ما ومن الصعب أن يقلع عن إدمانه حتى لو كان الثمن تهدم سقف بيت الزوجية.الزوجة إجمالا تنظر إلى الحياة بعين مختلفة وهي تنظر إلى الكتاب بنفس العين، حيث تعتبره مخلوقا ثانويا إذا ما قورن بمخلوقات دنيوية أخرى تقوم على المباهج والزينة والتفاخر، بينما ينظر الزوج القارئ إلى الكتب باعتبارها مخلوقات أساسية لا تقارن بها أي مخلوقات أخرى. وربما، من باب الاعتراف، انقلبت بعض الآيات الآن، حيث كثرت الزوجات القارئات وقل الأزواج القارئون، ولذلك سنجد يوما طرائف تتعلق بمواقف الأزواج مع كتب زوجاتهم وسنجد من يشتكي من أن زوجته تقصر في حقه لأنها تفضل الكتاب عليه وهي تقضي معه جُل وقتها. وهنا ستقع الفأس في الرأس حين تتهم بالخيانة..!!osaimin@yahoo.com