محمد العصيمي

محمد العصيمي

بالرغم من مسحة التراجيديا التي تعلو وجه مسلسلنا الشهير طاش ما طاش هذا العام، إلا أنه بقي ذلك المسلسل السعودي، الذي يستحق رفع القبعة والعقال والطاقية أيضا. أنا كمواطن، عاقل فيما أتصور، لا بد أن أعترف لهذا المسلسل العتيد بالكثير من الفضل في كشف المستور وفضح الكثير من أمورنا المعلقة أو المغيبة، لأننا لا ننتبه إليها أو لأننا راغبون في القفز عليها والضحك على دقون بعضنا البعض حيالها وحيال آثارها وأبعادها.يتفوق مسلسل طاش ما طاش كل سنة على نفسه وعلينا كمواطنين حين يتنفس، نيابة عنا، برئة ورؤية تلفزيونية تضعنا وجها لوجه أمام أسباب تخلفنا وهواننا على مجتمعات اليوم التي أخذت بكل أسباب الحياة المعاصرة وشروطها. حلقة «سعودي بلا هوية» مثلا، التي عرضت يوم الأربعاء الفائت كانت ضربة تحت الحزام لبيروقراطية الجهاز الحكومي، الذي يتعامل مع الإنسان على أنه مجرد ورقة تعصف بها رياح الأنظمة والقرارات التي تفتقد لتفكير عميق ودراسات مستفيضة لتحقق صالح الناس وتحفظ عليهم انتماءاتهم ومشاعرهم الوطنية. قبل هذه الحلقة كانت هناك تلك الحلقة عن حالة عربية رائجة ومؤسفة لإنشاء القنوات الفضائية المتكسبة من جيوب الناس والعازفة على وتر غرائزهم ومشاعرهم. ومع أن هذه الحلقة في خاتمتها أغضبت الكثيرين من مشائخنا إلا أن هذا الغضب غير مبرر، إذ ليس من المعقول أن يفهموا من مضمونها أنها قصدت أحدا بعينه أو أنها وقعت في التعميم المرفوض من الجميع. ما أعرفه، باعتباره حقيقة ماثلة أمامنا، سواء تعرض المسلسل لهذه الحقيقة أم لم يتعرض لها، أن هناك قنوات فضائية تتكسب ماديا تحت الستار الديني لبرامجها ووعاظها الذين أصبحوا بالمئات وربما بالآلاف. لا يوجد أحد، وهذه وجهة نظر، لا يطربه منطق الشيخ عائض القرني أو تدفق الشيخ سلمان العودة أو الحبابة واللطف اللذان يتمتع بهما الشيخ عبدالله المطلق حين يجيب على أسئلة المتصلين في برامج القناة السعودية الأولى. لكن إذا كنا نُسر بظهور هؤلاء الأعلام وغيرهم من المتبحرين الصادقين المخلصين، فإننا لا بد أن نعترف بوجود متسلقين أغرتهم النجومية حتى أصبحوا يتسابقون إلى القنوات الفضائية، أيا كانت أفكارها ومرسلاتها ليكسبوا ويصيبوا مغانم الشهرة.لست أفهم على سبيل المثال كيف تستمع إلى شيخ وهو يشرشح القناة الفلانية المستهترة والخليعة ثم تجده يتربع على شاشتها بابتسامة عريضة أين منها ابتسامات ونوادر وقفشات»الطاشيين» في مسلسلهم. ثم إننا يجب أن لا نعتبر أحدا فوق النقد، فكل يؤخذ من حضوره ويرد، ولكل الحق في أن يدافع عن نفسه بحكمة وهدوء، بدلا من التهديد والوعيد بالقضايا والمحاكم وكأن أبطال المسلسل قفزوا على بيته أو لكموه في وجهه. العقل هو سيد الموقف في مثل هذه المسائل وهو يقتضي أن نعطي الناس فرصة للتعبير عن رأيها بالشكل الذي تراه مناسبا دون أن نأخذ زاوية للترصد أو التصيد، فلا يوجد بيننا منزه، كما أنه لا يصح أن ننكر على «طاشنا» ألمعيته وأسبقيته في مناقشة قضايانا بجرأة محمودة تستحق الامتنان والتقدير لا التسفيه والتحقير. غفر الله لي ولكم وتجاوز عن أخطائنا وسيئاتنا في هذا الشهر الفضيل.osaimin@yahoo.com