محمد العصيمي
أمس الخميس كان أول أيام شهر رمضان، وقد تمددت بملء ساقي لأشاهد كارتون أم حديجان وطاش ما طاش وسقف العالم وغشمشم 2. وربما يقول قائل في هذه الحالة إذا بليتم فاستتروا، فرمضان ليس شهرا للمسلسلات والبرامج التلفزيونية التي تهبط مع هبوطه وتقلع مع إقلاعه. وأنا أقول إن هذه ديباجة سنوية أصبحت سمجة ومملة ولا تدل إلا على فلس كبير لدى من يرددها، فالذين ينتجون هذه المسلسلات والبرامج لا ينتجونها لتتفرج عليها الأشجار في صحرائنا الواسعة أو لتتداولها الطيور في سماواتها الفسيحة، بل هم ينتجونها لبشر يسكنون الأرض ويطلبون المزيد منها سنة بعد أخرى. ولذلك فإن وظيفة المنتج هي أن يلبي رغبة الجمهور ويوفر له ما يتطلع إليه في ظل سوق شديدة التنافس على جذب الناس إلى منتجاتها التلفزيونية.وإذا كان التوصيف الشائع لعلاقة الناس بالمسلسلات والبرامج في رمضان يمثل سماجة أو مغالطة فإن المغالطة الأخرى، وهي في نظري أشد وأنكى، هي وضع جميع المسلسلات والبرامج في سلة واحدة للحكم عليها بالتفاهة والانحطاط بممارسات الإنسان في شهر رمضان، دون محاولة النظر إلى الفكرة أو الرسالة التي يحملها هذا المسلسل أو ذاك. هناك قالب جاهز تبنى عليه دعوى الإخلال برمضان جراء ما ينقله التلفزيون إلى عيون المشاهدين، مع أنه كان يفترض أن ننظر إلى الحالة التلفزيونية الرمضانية نظرة ترغيب لنتيح للناس أن يستفيدوا ويعتبروا ويتعظوا مما يشاهدون، بدلا من هذا الترهيب والتنفير الذي يبدأ مع هلال شعبان ولا ينتهي إلا مع هلال شوال. أعرف، كما تعرفون، أن هناك تفاهات تلفزيونية لا تجوز في رمضان كما لا تجوز في غيره، هذا إذا أردنا أن ننظر للمسألة من باب الوظيفة التلفزيونية الحقيقية، وهي أن التلفزيون أداة ارتقاء بالفكر والسلوك والذوق العام. وهناك في المقابل جزالات تلفزيونية تستحق التقدير في رمضان وغير رمضان ويجب أن تُعامل على هذا الأساس، خاصة أنني لم أجد واحدا من المعترضين على تلفزيون رمضان قدم لنا رؤية نقدية لمسلسل بعينه وقال لنا ما مواطن إخلاله بسمو شهر رمضان وخصائصه الروحانية. أما ما يجب أن نعترف به لتلفزيون رمضان فهو ارتقاؤه سنة بعد سنة بمستوى ما يقدم من أعمال تلفزيونية، فهناك جودة عربية ملحوظة في الإنتاج التلفزيوني سببها بدون شك قوة المنافسة على شاشة هذا الشهر الذي يطيل فيه المشاهد البقاء أمام التلفزيون. هناك الآن ملايين كثيرة تصرف لتحقيق جودة الإنتاج والظفر بالمشاهد، ويفترض أن نفرح بذلك لا أن نسفه هذا الإنتاج الراقي في معظمه ونطالب الناس بالانصراف عنه. السوق العالمية التلفزيونية والسينمائية، في معظمها أيضا، تتناول الكثير من قضايانا ومسائلنا، بما فيها ديننا، بمنتهى الإساءة والإهانة والتحقير وسوء الفهم، فلماذا نصر على ممارسة سطحيتنا وانطباعاتنا الجاهزة في محاولة لإجهاض جمالية ورقي أعمالنا العربية الإعلامية. أعتقد أن علينا مسؤولية دعوة الناس لاستغلال جودة الأعمال التلفزيونية في رمضان ومتابعتها، ثم نحكم عليها في إطارها وفي حدود ما حملته من فكرة ورسالة، وما عدا ذلك هو محاولة مستمرة ومستميتة لنظل قابعين خلف انطباعاتنا الخاطئة. وفقكم الله وتقبل صيامكم وقيامكم.osaimin@yahoo.com