مطلق العنزي
يؤمن كثير من الناس أننا في عصر «التقدم» و«النور» والتألق، ونترفه بكثير من معطيات العقل العلمي، من السفر بالطائرات إلى حمل أجهزة بديلة للقلب، إلى التمتع بثورة «ثقافة غوغل» التي تنشر المعرفة على أوسع نطاق وبأسلوب غير مسبوق.والمفروض أن ينخرط كل الناس في مهمة التنوير والمعرفة وتطوير العقل التي أصبحت مشاعة مثل الهواء.ولكننا نصاب بصدمة بأن يوجد قليل من الناس فقط من يتنفسون هذا الضوء المشاع.في الوقت الذي كان نور المعرفة يسطع على الجميع، نجد كثيرين يهرعون إلى الظلمات.. إذ هرع كثير من الناس إلى فضائيات التنجيم والسحرة والطلامس، وأنفق هؤلاء الهلعون المليارات على ساعات من البث المباشر لكي يستطلع «أبو علي» أو غيره حظوظ المهمومين ويشفيهم من أسر السحر والأوهام.ولكي تكون الصدمة قاسية، فإن السحرة والمنجمين لا يجدون أرضاً خصبة عندنا فقط، بل يزدهرون في معقل العلم الحديث والنور، في أوروبا وأمريكا حيث «عين العصر». فالفضائيات الغربية أيضاً تعج بالمنجمين والسحرة الذين يمولون المهمومين بالوهم.ليس ذلك فحسب، بل ان «النخبة» في أوروبا وأمريكا، وليس المواطنون العاديون السذج، تتولع بالمنجمين ويتردد على المنجمين سياسيون وفنانون ورجال وسيدات أعمال وكثير من الذين يصمون الشرق بالتخلف والبدائية. وفي الثمانينات كانت نانسي ريغان زوجة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان تستعين بـ«خدمات» المنجمين حسب الصحف الأمريكية.والسؤال الذي يشغلني كثيراً، كيف تزدهر بضاعة المنجمين في أزهي عصور النور؟وربما الجواب يكمن في أن الناس يتمتعون بغريزة بدائية، ولم يتعمق النور في الوجدان، حتى بين أساتذة جامعات أو رجال أعمال أو أن الناس تتظاهر وتتباهى باعتناق النور، ولكنها تخفي وجدانيات بدائية، ساذجة، تصاب بالرعب من إمكانات التدمير الهائلة التي يملكها العصر مثلما يملك إمكانات هائلة للتنوير.وربما لأن الإنسان العصري يمتلىء بالخوف المشاع بشكل لا يبرئه نور المعرفة المشاعة.والأكيد أن الثقافة الدينية لم تستطع حتى الآن توعية شريحة عريضة من الناس وإقناعها بأن المنجمين والسحرة لا يملكون سوى الوهم والخداع وتخدير الآلام.وإذا كان المنجمون العرب، قد منعوا من ارتياد الفضاء، فإنهم يستقبلون «الضحايا» بالآلاف على الأرض سراً وفي ظلمات الأزقة.. وبضاعتهم مستمرة ومزدهرة..!!*وترتسكن رمال الدهناء.. إذ هدأت الرياح..وتتهيأ لمواعيد المطر.. إذ غيوم الخريف، تحلق، مسبحة، في العلو. تتحول رمال الدهناء إلى ضوء في راحة اليد، إذ يتيمم هداج، ويرفع أذان العصر.. وتصبح الدهناء سجادة شاسعة بأبعاد الرمل. تردد كل ذرة منها تسابيح هداج..malanzi@alyaum.com