محمد الحرز

محمد الحرز

مشروع (كتاب في جريدة) الذي خصص للشعر العربي في الربع الأخير من القرن العشرين كان طموحا بالتأكيد , ويحمل رؤية جديرة بالتشجيع لأن الرهان على الشعر في إضفاء قيمة جمالية على الحياة العربية لدى الإنسان العربي هو نوع من السياسة المعرفية- وإن كان يغلب عليه الطابع الأخلاقي- التي تفضي في نهاية المطاف إلى الاحتفاء بالحياة كما هو عليه الشعر في طبيعته من العمق, طموح مشروع إذا ما قيس بحجم المآزق التي تمر بها الحياة العربية في لحظتها الراهنة على جميع الصعد والمستويات . الاحتفاء بالحياة إزاء تدميرها هو ما ينبغي أن نطمح إليه كشعراء ومبدعين, لكن لا يتم ذلك بذهنية الإقصاء والانتخاب والتراتبية والتهميش كما هو عليه الحال في حياتنا الثقافية والسياسية والدينية , الشعر هو المعقل الأخير على ما أظن لتفتيت مثل هذه الذهنيات التي استشرت في حياتنا العربية , لكن أن يتم ترحيل مثل هذه الذهنية إلى الشعر والمحتفين به والمراهنين عليه بالدرجة الأولى ناهيك عن متلقيه , يبدو لي هو حالة تكريس للأوضاع المتردية وتأبيدها , وبالتالي الرهان على الشعر في هذه الحالة هو مداورة وتحايل . مجرد بالون ينتفخ وينتفخ حتى يصل إلى حد معين ينفجر فيها ويعود الطموح أو الرهان كما كان عليه في حالته السابقة . ما دعاني إلى هذا القول هو صدور العدد الأخير من المشروع الذي ضم فيه شعراء من السعودية واليمن بخلاف الأعداد السابقة التي أفرد لكل بلد فيها خريطة شعرية شاسعة . وفي عدم وجود مبررات موضوعية تدعم هذه الإضمامة , أو على الأقل تناقشها بشكل موضوعي بالاعتبار التاريخي والجغرافي . لكن للأسف لم يحدث شيء من هذا على الإطلاق . ربما لم يزل هذا الجزء من العالم العربي في ذهنية أغلب النخب العربية المثقفة والمبدعة بعيدا عن عالم الإبداع الشعري , يحتاج إلى صك براءة مختوم بأيدي هؤلاء الشعراء الكبار , في وقت لم يعد فيه الشعر بحاجة إلى رموز كبار , هو بحاجة إلى روح مشاعية تتشرب أرواح الناس جميعا على حد قول الشاعر نوفاليس. والسؤال الذي يلح هنا بقوة لماذا في محاولة إنجاز مشروع كهذا يتم الاعتماد في اختيار الشعراء في كل بلد على شخص أو شخصين سواء كانا شاعرين أو ناقدين لهما المكانة البارزة على خريطة الوطن العربي الأدبية ؟ فمهما كان هؤلاء من دقة في الاختيار والموضوعية في الطرح إلا أن آلية الاختيار والفرز تخضع بالنهاية لأهواء فردية من جهة وللعلاقات الشخصية من جهة أخرى. لكن حينما تكون آلية الاختيار ضمن نشاط مؤسساتي له معرفة دقيقة بالمنجز الإبداعي والثقافي في البلد المعني , وبالأسماء الفاعلة والمنتجة والمؤثرة فيه بدرجة أو بأخرى, عندها يمكن أن يقال أن هناك تنظيما دقيقا في الاختيار , يعتمد على المعلومة والبحث والاستقصاء والرؤية الشمولية للأجيال الشعرية المتعاقبة في البلد الواحد. فذهنية المؤسسة غير ذهنية الشخص , حيث الغيرية لا تكمن في كون المؤسسة تخضع للأنظمة والقوانين واللوائح المتفق عليها لدى الجميع فقط , وإنما للأنساق الثقافية اللصيقة بالمؤسسة لها نصيب الأسد في الحضور والتأثير. ما المقصود بهذه الأنساق ؟ من المعروف أن كل مؤسسة تستمد سلطتها من سلطة الدولة, ولست أعني هنا مؤسسات المجتمع المدني التي تتعارض سلطتها مع سلطة الدولة وأيديولوجيتها تتعارض مع أيديولوجية الدولة كما هو عليه الحال في أوروبا , لكن ما يسمى بالعالم الثالث تبقى فيه الدولة هي المرجعية العليا للسلطة تمنحها لأجهزتها ومؤسساتها وفق شروط معينة , أهمها يتوقف على حجم الإمكانية الداعمة لإيديولوجيا الدولة التي توفرها هذه المؤسسة أو تلك سواء كان على مستوى الخطاب أو ضمن نسيج العلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية , وبناء عليه يمكن بالتالي من خلال هذا المنظور تكوين تصورات حول مقدار أهمية المؤسسة بالنسبة للدولة. لا شك أن هناك نظريات متعددة بحثت في هذا الموضوع بالتحديد, موضوع المؤسسة والدولة وعلاقة السلطة بهما. لكننا هنا لم نسع إلى التطرق حول هذا الموضوع إلا بالقدر الذي نريد أن نوضح فيه للقارئ طبيعة السلطة التي تتحكم في المؤسسة وطريقة اشتغالاتها من الداخل , هذا من جهة, أما من جهة أخرى فنحن نريد أن نقرر حقيقة مفادها أن كل سلطة ليست بالضرورة متوحشة أو مدمرة ( ولا أشير هنا إلى السلطة التي تنتج العنف والدمار والحروب) . السلطة بكيفية ما تنظيم وقانون وطريقة نظر للأشياء تخلو من الفوضى والعشوائية والماضوية في أغلب الأحيان , ما أحوجنا إلى هذا النوع من السلطة في حياتنا الثقافية . أما لو نظرنا إلى الأنساق الثقافية بوصفها سلطة فإن ما يشد الانتباه إليها هو قابليتها للاستثمار الإيجابي. كيف يتم ذلك ؟ نحن ندرك جيدا أن مفهوم الاختلاف فكريا وثقافيا ودينيا وسياسيا كان إحدى أهم مكتسبات عصر الأنوار في الغرب الأوروبي , وأصبح لكل فرد الحق في الاختلاف يضمنه له الدستور والقوانين والأنظمة والتشريعات , وصار بالتالي جزءا من التربية السياسية والثقافية التي لا يشك في قيمتها اثنان . لكن هذا المفهوم تحول إلى ما يشبه الترف في الفكر الفلسفي الأوروبي بعد أن تأصل في الاجتماع والتربية والسياسة , وأصبح هوس الاختلاف يطال نظام التفكير في حد ذاته , حتى رأينا لهذا المفهوم فلاسفة يرتكز نظام تفكيرهم عليه. لكن في حياتنا الثقافية العربية لا زلنا نبحث عن الاختلاف في مستواه الاجتماعي الذي لم يؤصل على الإطلاق ناهيك عن مستواه السياسي والعقائدي , لذلك كل نشاط ثقافي ذي طبيعة مؤسساتية له القدرة على تأصيل مثل هذا المفهوم في خطاب القائمين عليه , وكذلك ضمن سلوكهم العام , شريطة أن يؤخذ بعين الاعتبار الوضع التالي : أن سلطة كل نسق التي تتمثل في مجموع الأوامر والنواهي والعادات والتقاليد والتصورات التي يحملها الشخص لا تتعارض إطلاقا مع سلطة نسق آخر يحملها شخص آخر , خصوصا إذا اشترك الشخصان في رؤية مستقبلية للثقافة ضمن حدود سلطة المؤسسة . من هذا المنطلق بالتحديد يمكن استيعاب سلطة المؤسسة , ومن ثم تحويلها إلى الوجهة الصحيحة كما ينبغي لها أن تكون . وليس هناك أفضل من الدور الذي تلعبه المؤسسة في إضفاء المشروعية والقانونية والتنظيمية على من يمارس الاختلاف بمفهومه الحضاري الذي يستوعب الآخر أيا كان هذا الآخر . قد يتساءل البعض ما علاقة هذا الكلام بما صدرنا به المقالة من حديث . يبدو لي أن الحديث عن الشعر هو في العمق منه حديث عن الاختلاف , والشعر بهذا الاعتبار هو نوع من الحساسية المفرطة في الذاتية , وإذا لم نستوعب هذه الذاتية ضمن حدود الاختلاف , فإن التهميش والإلغاء هو الطريق الذي تفضي إليه حياتنا الثقافية دون أدنى شك. إذن استيعاب المشهد الشعري هو التجلي الأكبر لمفهوم الاختلاف , لأنه بكل بساطة يساعد الذهنيات على تجاوز معوقات سلطة الأنساق الثقافية طالما كنا أكثر قدرة فهم الظواهر التي تتعلق بهذه السلطة , وتداعياتها على الفرد والمجتمع والمؤسسة.mohmed_z@hotmail.com