محمد الحرز

محمد الحرز

كانت الفكرة صائبة عندما قال أحمد الملا : نريد أن نذهب إلى باب اليمن حيث (صنعاء القديمة) , وبما أن حفل افتتاح الملتقى أوشك على نهايته , سللنا أنفسنا أنا وعبدلله السفر وأحمد وكذلك الشاعر اليمني عمر بوقاسم إلى خارج القاعة تاركين بعض القصائد ترن في آذاننا مثل مكبرات الصوت التي ترج الجسد وتترك الدم يتوه خارج الشرايين.كان البهو الذي لا يفصله عن القاعة سوى بضع درجات ليست بالواطئة ولا بالمرتفعة , خال تماما إلا من بعض ضيوف المهرجان الذين لم نألف وجوههم بعد, منزوين مع دخان سجائرهم وكأنهم في عزلة, يتأملون فقط نظراتهم وهي تقع على الكتب المرتبة بشكل دائري على طاولة خشبية وسط البهو ذاته. في التاكسي كنا نطلق النكات على كلمة الشاعر عبد الكريم الرازحي التي ألقاها في الافتتاح «حيث جمهورية الشعر الديمقراطية» التي رفعها كشعار للملتقى أصبحت سببا في إشعال الكلام بالضحك والتهكم في بعض الأحيان غير متناسين سائق التاكسي ومحاولة إشراكه ودفعه إلى التعليق. كان الوقت ظهرا عندما عبرنا باب اليمن وسط ضجيج المارة والبائعين المتجولين وأصحاب المحلات بوجوههم الداكنة التي تظن وأنت تقترب منها أنها تخفي خلفها عالما مليئا بالغرائب والقصص العجيبة, لكن الغرابة سرعان ما تتلاشى, وتفسح المجال للدهشة المأخوذة بسحر المكان المطبوعة على وجوه هؤلاء وكأنهم حراس السلالة من الضياع في متاهة الصحراء. أقترح علينا عمر بوقاسم أن يكون مرشدنا السياحي في هذه الجولة, أحمد تقاسم معه هذه الوظيفة في غالب الأحيان ,أنا وعبد لله كنا نجر الخطى وراءهما , وفي رؤوسنا كانت الأفكار تدور حول الأشياء التي سنقتنيها من هذا السوق . التعرف على دليلنا السياحي الجديد الذي سيظل يرافقنا في ثلاث جولات أخرى هو محمد الضبيبي الذي لم يتجاوز عمره الرابعة عشرة, حوّل الجولة إلى ما يشبه ملامسة تفاصيل المكان بالكلمات التي لا تخلف وراءها سوى الدهشة والانبهار الطافحة على وجوهنا, ليس فقط بسبب ما تتركه من أثر يتمدد كالبركان في نفوسنا, وإنما أيضا بسبب المفارقة التي تنشأ من التقاء نقيضين: بين عبث الطفولة , وبين الوعي بملامح تاريخ المكان . اكتشفنا من خلال هذه المفارقة القصيدة, ولم نكن نحمل في أيدينا أغصانها المورقة , وكان صداها يتبعنا إلى « سمسرة النحاسين « , وهو المكان ذاته الذي شهد لا حقا اجتماع الأصدقاء الشعراء : سامر أبو هواش وجهاد هديب وعزيز أزغاي وطالب المعمري وعبدالله وأنا , في صور تذكارية التقطوها تاركين جزءا من خلفية الصورة لشبان يخزنون القات , وكأن المسافة بين الصورة وخلفيتها ليست سوى رغباتنا التي تصطدم بأحاديثنا المشوبة بالحذر من تقاليد القات كلما حاول سامر أن يلتقط لهم صورة عن قرب , ولكن دون جدوى. كنا وقتها حائرين في أي المواضع يمكننا التقاط الصور من الكاميرا التي يحملها سامر على كتفه , كنا مأخوذين بالمكان للدرجة التي تجعلنا تائهين فيه , لا نعرف أين نقف أو أي زاوية يمكنها أن ترصدنا عدسة الكاميرا , و لولا احترافية عزيز في التصوير لتسللنا من المكان بخفي حنين . لذلك عندما عبرنا ردهة المكان عبد الله وأنا لأول مرة, وحيث أحمد سبقنا بخفة حركته رغم حقيبة الكمبيوتر المحمول على الكتف, والتي تشبه جراب الشحاذ لكثرة ما دسسنا فيها من أشياء ليست لها علاقة بالكمبيوتر, كنت أقول لعبد الله : لقد دخلنا زمن الأسطورة !! وكأن العتمة التي تظلل رؤوسنا ليست سوى عيون الأسلاف وقد تحولت إلى أحجار كريمة تلمع في أروقة المحلات , هذه الأحجار ليست سوى وصية على الأرض , لذا لم تخل يد أحمد من إحدى هذه الوصايا, بعد أن أرهق صاحب الدكان في مساومته على السعر. عندما رأيت أحمد وهو يفحص الحجر بكلتا يديه دون أن يزيح النظر عنه, وكأنه خبير متمرس , وقبل أن يقدم على شرائه, تذكرت جدي حينما أراه كل صباح جالسا على مصطبته داخل منزلنا الكبير , متأملا مجموعة من الأحجار الكريمة « فصوص من حجر العقيق» مستخدما نظاراته السميكة التي في اعتقاده أنها لا تخطئ التشخيص أبدا . كان هذا النوع من التذكر يسليني, ويطرد من ذهني فكرة التعب والإرهاق من كثرة المشي والوقوف, وأظن عبد الله كان يشاطرني هذه الفكرة لسبب ما . ولكن عندما تحين الفرصة للجلوس عند أقرب محل تجدنا نتناوب أنا وعبدلله على الجلوس على الكرسي الوحيد الموجود داخل المحل , مثلما حدث عندما افترشنا الأرض وسط المحل الذي يبيع الفوانيس النحاسية , وكان الحماس الذي غمرنا فجأة في اغتناء بعضها , جعل أحمد يوزع الفوانيس علينا حتى قبل أن نتعرف على سعرها , لذلك عندما دخلنا فندق» حدا» كنا نقول لأنفسنا سوف نعود مرة أخرى لاقتناء واحدة على الأقل منها , وكان أحمد يردد دائما أن الصديقة هدى سوف تنقذنا من مصيدة التسوق في المرة القادمة كعادتها.وفيما كان أحمد في أغلب الأوقات يخطط على مستوى تحركنا اليومي , خارج إطار برنامج الملتقى الذي يضم فترتين هما الصباح والمساء , كنت أنا وعبد الله مشغولين بهاجس يؤرقنا وهو رداءة الأكل في الفندق , لذا كان كنزا عظيما « مطعم الشيباني « بفروعه المتعددة الذي أذكر تماما أول من أقترحه وهو شوقي شفيق وأيده في ذلك بقية الأصدقاء : نبيل سبيع , عمر الأرياني , إياد الحاج , ماجد المذحجي, جهاد وعزيز. كان هو عزاءنا الوحيد , فيه تعرفنا على أكلة « السلتة» والعقدة وبعض الأكلات الأخرى التي تخونني الذاكرة الآن في ذكر أسمائها ومكونات ما تحتويه. ولكن لا أستطيع نسيان الطريقة التي كنا نأكل فيها الموز بعد تغميسه بالعسل , وهي تقدم بعد كل وجبة , مناوشات وتعليقات يبدأ بها أحمد ضد جهاد , من هنا ينطلق استعراض طابور من النكات , كل واحد منا يبرز عضلات مخيلته في الكلام , ودائما ما يكون جهاد الضحية في نهاية المطاف . المناوشات ذاتها تمتد إلى بهو الفندق , ولكن بعض الأحيان بصوت أخف . حدث ذلك في الليلة الأولى من وصولنا صنعاء , وبعد سهرة في فندق « الموفنبك», لم نكن نفهم معنى الصمت الذي كان يعم الصالة في بهو الفندق , وما أنْ نزلنا من التاكسي وتجاوزنا ركن الاستقبال حتى استقبلنا صوت « فاطمة ناعوت» الذي نبهنا إلى وجود مجموعة من الشعراء منصتين إلى ما تلقيه عليهم من شعر . إذن أُمسية أخرى قلت في نفسي , ألا يكفي ما سمعناه من شعر بصوت هدى الدغفق في الموفنبك , ولكن الغريب هو التشابه الذي اكتشفته في تلويحة اليد التي تمتاز بها هدى وفاطمة عند قول الشعر, ورغم الفارق بين ملامح اليدين , إلا أني أجهل سر ذلك , ربما الإجابة تكمن في الشعر ذاته. كان ضحكنا يعيد سرد حكاية السهرة من بدايتها , ولكنه كان يخفت كلما اقتربنا من المجموعة , وكانت تكفي إشارة من الشاعر بسام عليواني كي ننطفئ تماما . هناك اكتشافات أخرى يصعب الحديث عنها, لكنها تلمع مثل برق خاطف في وجوه من استمعنا إلى شعرهم وكأننا ننصت إلى هاوية بلا قعر . هكذا كانت أمسيتنا المصغرة التي ضمت سامر والشاعر العراقي الجميل طالب عبد العزيز وأحمد وعبدالله وأنا حيث كانت غرفة أحمد ملتقانا الثاني . لقد كانت خطواتنا تتقاطع في الفضاء الشاسع للفندق , ولكن من منا التفت إلى الوراء وتأمل خطوته وهي تجاور خطوات الآخرين من الأصدقاء الشعراء؟! , كان ينبغي علينا على الأقل أن نترك زرا واحدا من قمصاننا مفتوحا على آخره , كي نمسك بصور الذكرى وهي تتسلل خارج الجسد.mohmed_z@hotmail.com