محمد الحرز
يطرح المفكر الإيراني داريوش شايغان أزمة التعايش بين الثقافات المختلفة والمتنوعة في العالم انطلاقا من فكرة التزامن وليس التوالي التي تمتاز بها الحضارة العالمية في عالم اليوم . يمثل لهذه الفكرة من خلال حادثة جرت له يذكرها في دراسته القيمة (تزامن الثقافات المتنوعة) الواردة في مجلة قضايا إسلامية معاصرة العدد 33- 34 . يقول « كنت أتمشى ذات مرة على الساحل الطويل في لوس انجلس المعروف بـ (فنيس بيج) وقد أذهلني فعلا ذلك التنوع المدهش في اللقطات الغربية التي كانت تعرض أمام عيني المبهورتين . على جانبي هذا الممر البالغ طوله عدة كيلو مترات , ثمة محلات تجارية تعرض ما يصدق وما لا يصدق بتنوع لا يصدق. أشد صور الوعي الإنساني بداوة تصطف هناك إلى جانب لعب أنتجتها أعقد التقنيات الحديثة . طقوس شمنية يمارسها هنود حمر , حركات اليوغا الكلاسيكية , طب الإبر الصينية, كل أنواع الارتياض الياباني الكلاسيكي, قراءة الطالع, أجهزة استعراض الواقع المجازي, موسيقى الروك ورقصات بريك دنيس, كل هذه الظواهر كانت تجتمع إلى جوار بعضها دون أية مناسبة. كل الأشياء كانت حاضرة في زمن واحد . هناك كنا نتفرج على تكامل الوعي الإنساني , من وعي العصور الحجرية وحتى مكاسب القرن الحادي والعشرين. كلها نعاينها مرصوفة إلى جانب بعضها. وكأن روح الحداثة استعادت كافة أطوار الوعي البشري في ذاكرة أقرب ما تكون إلى الملحمة العظمى. بتعبير آخر , كأن الحداثة خلطت كل الطبقات التي ترسبت تدريجيا على بعضها في قاع الوعي الإنساني على مر التاريخ , واستقرت كل واحدة منها على الأخرى بتراتبية معينة , خلطتها الحداثة مع بعضها لتعيد عرضها بنسق أفقي متزامن». هذه الحادثة أو الملاحظة بالنسبة له ليست سوى صورة مصغرة لما يحدث في بقية أرجاء العالم. وهي تعكس طبيعة التنوع الثقافي الذي غزا العالم في الحقب الأخيرة من القرن العشرين , وبرزت الهويات المتناقضة للجماعات على سطح الحياة , وأصبحت هي مدار الصراع السياسي والعقائدي والثقافي الذي ما انفك يؤجج الحروب والاقتتال ويزرع العنف والفتن بين أنصارها ومؤيدي شعاراتها. هذه الظاهرة التي تتسم بالتزامن حسب داريوش شايغان أنتجت الفوضى والتناقضات والسياقات الحياتية والمعرفية غير المتناسقة, فظهرت العقلانية بجانب الخرافات والأساطير في السلوك والتفكير في تجاور لم يحث ولم يستنهض- جراء ذلك- الفكر النقدي أدواته النقدية لنقد هذا التجاور مثلما عودتنا الحداثة وفكرها النقدي الصارم على ذلك . وعندما يتساءل المفكر عن الأسباب وراء ظهور هذا التزامن الثقافي فهو يحيلها إلى « الافتقار إلى الوجد والحيوية , والانسلاخ عن العواطف الدينية والتقليدية , حالات توطئ الأرضية للخيال كي يصول ويجول وبأغرب صورة وأكثرها وهما. فقدان المدينة الفاضلة في هذه الثقافة , يجعل كل مستويات الوعي ( أقصد بها ثقافات العالم المختلفة) ممكنة , ويخلع لبوس التحقق على أغرب التلاقحات الثقافية وأبعدها عن العقل والتصديق . من هنا تحديدا تنبثق مشاعر الإعجاب بالأمور الغريبة الخاصة , وأنساق الحياة غير المألوفة , والرؤى الموروثة , وجاذبية الآخر والصدامات النيزكية , والمعارك القومية , وشتى صور الوطنية المتطرفة « هذه الأسباب يضعها داريوش في سياق الرد على أنصار التعددية الثقافية الذين يرون أن أسباب ظهور هذا التزامن وما يتصل به من مآسٍ هي بسبب المركزية الأوروبية التي هيمنت على فكر الحداثة لمدة ثلاثة قرون. يقول في موضع آخر « أنصار التعددية الثقافية – الذين يهاجمون المركزية الأوروبية ويعدونها مسؤولة عن كل مآسي الإنسانية والعالم – لا يتفطنون إلى أنه من دون هذه الحضارة العالمية التي ولدت في أوروبا على وجه التحديد لما توافرت لأحد الأدوات النظرية اللازمة لنقد هذه المركزية . أنهم لا يلاحظون أن هذه الحضارات القومية لو سادت وهيمنت ( وقد شاهدنا عدة نماذج لها إلى الآن) لما تقبلت الآخر( وإن ظاهريا). وليس هذا فحسب, بل لرفضت وألغت في أتون شموليتها كل نوع من الآخرية لا يتطابق مع رؤيتها الضيقة للأشياء». بالتأكيد هذا الكلام لداريوش هو وثيق الصلة بدوائر السجال الفكري بين أنصار الحداثة من جهة وبين أنصار ما بعد الحداثة من جهة أخرى , بين وريث مدرسة فرانكفورت هابرماس , وبين أكثر المتحمسين لأطروحات ما بعد الحداثة جان بودريار . لكن هنا ينبغي التساؤل, هل ثمة فرق أو تباين بين المركزية الأوروبية كسبب كما يقول به أنصار التعددية الثقافية, وبين فقدان المدينة الفاضلة كسبب كما يقول به داريوش في ظهور التزامن الثقافي في العالم ؟ سبب طرح السؤال هو في الصعوبة التي لا يمكن إغفالها في مسألة التفريق بين السببين . كلاهما في ظني وثيق الصلة بالآخر وإن كان بصورة غير مباشرة . فالمركزية الأوروبية هي سيرورة تاريخية عبر زمن تراكمي هو زمن الحداثة بامتياز . بعبارة أخرى ظهور أول ملامح هذه المركزية في الحقول المعرفية في الغرب لا يعني بالضرورة تأثيرها المباشر على حياة الناس خصوصا البعيدين عن مكتسبات المعرفة الحديثة وإلا لكان على المؤرخين والمفكرين إهمال العوامل الاقتصادية والجغرافية والتاريخية وإسقاطها من حساباتهم في تحليلاتهم الاجتماعية والتاريخية وإهمال كذلك المكونات الأساسية في العلاقات بين الناس. فمهما كان العامل الثقافي يبقى ضمن شبكة من العوامل المعقدة والمتناقضة حيث العامل المهيمن فيها يخضع بالدرجة الأولى لمجرى التحولات التي تطرأ على أي مجتمع في عصر أو زمن معين , سواء في منظومة قيمه وأخلاقه ومعارفه أو في نظام التفكير والتصورات التي تهيمن على عقله . والغرب في إنتاجه لمعارفه لم يخرج على هذه القاعدة ولم يشذ على الإطلاق . لذلك سبب فقدان القيم الروحية يتجاوز المركزية الأوروبية – وإن كنت أرى من جانب آخر كما قلت سابقا أن فكرة الارتباط واردة الاحتمال- إلى منظومة من العوامل المتعددة وليس العامل الثقافي الذي يشير في العمق منه إلى المركزية الأوروبية سوى إحداها من بين تلك العوامل. وعليه لا مندوح من القول أن النظر إلى سبب نشوء ظاهرة تزامن الثقافات المتنوعة انطلاقا من ثنائية المركزية والانحطاط الأخلاقي هو تكريس للمركزية بطريقة أخرى . فكرة التزامن التي يطرحها المفكر الإيراني ليست وليدة الحضارة الحالية , هي في تصوري سمة ملازمة لجميع الحضارات التي عرفتها البشرية . لكن الاختلاف يكمن هنا في الدرجة وليس في النوع . فالحضارة الحالية ألغت مفهوم الزمن الخطي وأصبح الزمن الأفقي هو زمن العولمة بامتياز, وهذا ما أعطى هذه الظاهرة بروزا أقوى وأثرا مدمرا في أغلب الأحيان على التعايش الاجتماعي في بعض الدول . أما الحضارة الإسلامية على سبيل المثال فالعراق كانت خليطاً من الثقافات المتناقضة والتي عاشت جنبا إلى جنب في ظل تألق هذه الحضارة . أو ليست ظاهرة التسامح في الإسلام تشير بطرف خفي إلى فكرة التزامن تلك ؟ بالطبع مع مراعاة اختلاف الفروق الشاسعة بين الحضارتين . لكن لماذا لا نقول من جهة أخرى أن كل ثقافة في هذا الفضاء المتنوع لها أسبابها الخاصة سواء في الظهور أو الضمور بعيدا عن فكرة التزامن التي تجمع الثقافات في سلة واحدة رغم عمق الفكرة وقوة تحليل صاحبها.mohmed_z@hotmail.com