محمد العصيمي
تذكرني الخطوط السعودية كل موسم بدكان العم أبو صالح لبيع الشمغ والطواقي والفنايل. في كل موسم عيد يُحضر العم أبو صالح عشرة شمغ يبيعها في الدقيقة الأولى من ليلة العيد ثم يجلس في واجهة دكانه يتلذذ بِإخبار الزبائن أن الشمغ نفدت. وإذا سأله أحدهم لماذا لا يحضر المزيد منها أجابه بأنه سيفعل ذلك في العيد القادم. وتتوالى الأعياد والمواسم والحال على ما هو عليه: عشرة شمغ تنفد في الدقيقة الأولى والعم أبوصالح يعد الناس بمزيد منها في الموسم القادم.!!هذا بالضبط هو حالنا مع أصحاب السعادة قادة الخطوط السعودية المبجلين والعاملين على قهرنا وإثارة أعصابنا عند كل نقطة حجز وفي أرض كل مطار، حتى أنه يخيل لي أحيانا أنهم يقبضون مكافآت مقابل إذلالنا وكسر خشومنا. لا أذكر في حياتي أنني طلبت حجزا وحصلت عليه من أول اتصال، فالشمغ بيعت في الدقيقة الأولى. ثم إذا هاتفت فلانا أو فلانا من أصحاب النفوذ في كاونتر الحجز حصلت على ست فرص دفعة واحدة، حتى أنني أتدلل في اختيار الدرجة ووقت السفر وربما ظفرت بترقية مجانية من الدرجة السياحية للأولى.قبل أيام فقط اتصلت بي إحدى قريباتي تولول وتشتكي من دكان العم أبو صالح: بالكاد أعطوني مقعدا على رحلة الساعة السابعة والنصف صباحا. هل تقدر على الحصول على مقعد بعد الظهر أو في المساء.؟ قلت لها سأشغل مكائن الواسطة وسترين عجبا في غير رجب. وبالفعل بعد ساعة كنت أضع أمامها ثلاثة خيارات: الساعة الحادية عشرة صباحا، الساعة الثالثة ظهرا والساعة السادسة والربع مساء. وبينما هي تتدلل في اختيار وقت سفرها عادت إلى الاسطوانة المشروخة: كيف تحصل أنت على كل هذه الفرص وأنا لمدة أسبوع بالكاد حصلت على فرصة يتيمة ومشروطة بالاستيقاظ عند الخامسة صباحا.!! قلت لها: اسألي العم أبو صالح. أما الطامة الكبرى مع عمنا (أبو صالح) فهي التي حدثت يوم الأحد الماضي، فقد خرجت أسرة مكونة من تسعة أفراد إلى المطار لتركب الطائرة من الدمام إلى جدة عند الساعة الثامنة صباحا. وبينما هي تمني نفسها برحلة مباركة ومبكرة جاءها النداء الأول: الرحلة ستتأخر إلى التاسعة. عادي، فالتقدم ليس من سمات دكان عمنا. عند قرابة التاسعة جاءها النداء الثاني: الرحلة ستتأخر إلى الحادية عشرة. لا حول ولا قوة إلا بالله. عند الحادية عشرة جاءها النداء الثالث والأخير: الرحلة ستتأخر إلى الخامسة مساء. لماذا؟ سأل الناس الذين بلغوا حدهم من الغضب لحالهم وحال أطفالهم وبطونهم. ولم يأتهم جواب واضح، فأنت كمواطن يجب أن ترفع رأسك حتى لو بلغ زمن رحلتك إلى جدة ما يفيض عن زمن الرحلة إلى نيويورك. هل ستغضب لحال أطفالك الدائرة رؤوسهم والخاوية بطونهم.؟ لا يفترض أن تغضب فأولادك أولاد مواطن وعليهم أن يهزوا رؤوسهم الغضة رضا وامتنانا حتى وإن بدا أنهم يهزونها نوما وقرفا وقهرا. والدتك المسنة المريضة تتلفت إليك كل لحظة لتنقذها من جحيم الانتظار على المقعد القاسي الذي يقوس ظهرها؟ كل الأمهات تتقوس ظهورهن من طول الانتظار وهي تتلفت إليك إعجابا برأسك المرفوعة. تريد أن تشتكي؟ فليكن، اشتك فأنت تؤذن في مالطا وعمك أبو صالح أصمخ.!!مهزلة ما بعدها مهزلة. osaimin@yahoo.com