حسن السبع
«نادرا ما كنت أفتح فمي للحديث.. إذ ما الذي يستطيع أن يقوله (مثقف) لغول»! هذا ما يقوله الكاتب اليوناني نيكوس كازنتزاكي عن صديقه وبطل روايته زوربا. ولم يكن زوربا غولا بالمعنى السلبي للتسمية. كان شخصية جميلة، وكان مصدر إلهام ومتعة حقيقية لصاحبه الذي كان يصغي إليه وهو يحدثه عن قريته الواقعة إلى جانب جبل الأولمب، عن الثلج والذئاب والفحم والنساء والموت.وحين تضيق الكلمات على زوربا، ويقترب من الاختناق يقفز على قدميه ويبدأ الرقص على حصى الشاطئ! ومع أن زوربا لم يكن (مثقفا) كصانع شخصيته كازنتزاكي إلا أنه كان مسكونا بالدهشة، محبا للجمال، عاشقا للحياة. لكن ماذا يفعل المرء لو ابتلي بغول حقيقي لا يحدثه عن القرية والسهل والجبل والحياة وما فيها من روعة وجمال، وإنما يطرح عليه آراء آتية من أزمان سحيقة، وموغلة في العتمة والخرافة باعتبارها أم الحقائق؟ هل يقترف حماقة التواصل مع غول كهذا؟ من الأرجح أنه لن يفتح فمه للحديث، أو أذنه للإصغاء، لأسباب تختلف عن تلك التي جعلت كازنتزاكي يمارس صمته أو إصغاءه بمتعة.. فالصمت في هذه الحالة إصغاء لخرير الجمال. أما الصمت في حضرة الغول فليس إصغاء، لأنك لن تجد عنده ما يستحق الإصغاء، ربما للسبب الذي أشار إليه ميخائيل نعيمة في قوله: (كم من صوت مرَّ في أذني وما سمعته، وكم من صوت سمعته وما مرَّ في أذني). قد يلجأ المرء في الحالة الأخرى إلى ما تسميه ساميا ساندري برنَّة السكوت التي تجلجل (عندما يكون التناغم بين رنيننا والرنين الخارجي قد فقد). ومهما قيل عن فضيلة الصمت ومزاياه، فإنه يبقى منفى، أو حالة من حالات الغياب، وأحجية عصية على الحل. فما أجمل الكلام الذكي.. وما أسوأ الانطواء على النفس! مع ذلك، يمكن أن يصبح الصمت فضيلة حين يكون أفصح من الكلام. ويصبح كذلك في الحالة التي عبر عنها جلال الدين الرومي بقوله: (إننا لسنا بعد أهلا للكلام، فيا ليتنا كنا أهلا للإصغاء). وهو فضيلة في قول جبران: (تعلمت الصمت من الثرثار). وفضيلة في قول مورفي صاحب القوانين الساخرة: (لا تجادل الأحمق فقد لا يستطيع الناس التمييز بينكما). لكن، تبقى اللغة، كما ترى ساميا ساندري، (كينونة الإنسان المدركة لذاتها.. فالكون مؤلف من رناَّت وبالصوت ننتمي إلى هذا الكون... فهو الرابط بين داخلية الإنسان والعالم الخارجي.. هكذا يستطيع الإنسان أن يكون كونيا بصوته). لكن الإنسان في حضرة (الغول) لا يملك إلا أن يكون صامتا وبلا قيمة لواحد أو أكثر من الأسباب: يصمت حين يدرك أن حالة صاحب الصوت النشاز مستعصية، وأن من العبث محاولة علاج حالة ميئوس من شفائها.. ذلك أن الظهور المقوسة لا يقيمها إلا القبر. كما يقول مثل شعبي روسي. ويصمت أحيانا حين يدرك أن الطريق الذي جمعه بالآخر طريق قصير، وأنهما على وشك الوصول إلى مفترق طرق أو مفترق محطات، ليتجه كل واحد بعد ذلك إلى حال سبيله، أو إلى عالمه الخاص. أي حين يكون الآخر عابرا في كلام عابر. ويصمت حين لا يرغب، من قبيل التهذيب واللباقة، أن يقلل من قيمة قناعات الآخر أو يسيء إلى مشاعره، أو يعكر صفاء نفسه، ويحرمه من متعة الغفلة. ويصمت لأن وقته مزدحم بكل ما هو نافع ومفيد، ولا توجد فيه فسحة للتعليق على سقط القول. ويصمت عندما لا يرغب في تقمص شخصية أخرى لا تمت إلى قناعاته بأية صلة، أي عندما لا يريد أن يظهر غير ما يبطن. ويصمت حين يدرك أن من العبث أن يكون جادا في موقف لا يحتمل إلا الضحك، لعدم تكافؤ اللغة والثقافة والتجربة وأدوات الحوار. يصمت لأنه لا يرغب في التنازل عن لغته وأدواته ولو بشكل مؤقت. ويصمت عندما لا يستطيع أن يكون واضحا، لأن مساحة الحرية المتاحة لنظيره أكثر من تلك التي أعطيت له، ولأن الظروف الاجتماعية والثقافية مهيأة لتقبل أفكار الآخر. ويصمت إذا لم يكن لدى محدثه من أدوات الحوار إلا عضلاته.. وبقية أسلحة العنف الشامل. عندئذ يلوذ بالصمت ليبني جدارا عازلا يقيه مغبة الكلام في غير محله الصحيح ووقته المناسب. ويصمت عندما لا يريد أن يكون بطلا أو فارسا في موقف لا معنى فيه للبطولة.. فمن ذا الذي يجرؤ أن يقول للغول أنا عنترة بن شداد العبسي؟ بقي أن أقول: إن فكرة هذا المقال، أو خطوطه العريضة قد رسمتْ في صالون حلاقة. كان الحلاق عملاقا مفتول العضلات، له وجه صارم الملامح، وصوت أجش عالي النبرات، أستطيع أن أؤكد، كذلك، أن الرجل محروم من حس الدعابة. كان يثرثر بآراء غريبة آتية من أزمنة سحيقة. وكان يتقد حماسة لآرائه باعتبارها جوهر الحكمة وخلاصة الحقيقة. كان انفعاليا أيضا. لاحظت ذلك من ردة فعله العنيفة تجاه زميل له في الصالون. لذلك طفت على سطح الذاكرة كل فضائل الصمت التي أشرت إليها في بداية هذا المقال. لم يكن بوسعي إلا أن أصمت فقد كانت الموسى فوق رقبتي!.hsn_saba@hotmail.com