محمد العلي
أليس مضحكا عنوان هذه المقالة؟ بلى.. هو مضحك لانه يعيد إلى الذاكرة ما نسيته من عهد الكتاتيب حين كان المعلم يهش بعصاه على متعلمي القرآن الكريم فيكررون وراءه الآية تكرارا فلا هو يفهم الآية التي يتلوها ولاهم يفهمون ولكن العصا كفيلة بحثهم على النطق.ولكنك حين تعرف ان هذا العنوان وضعه الدكتور زكي نجيب محمود في السبعينات من القرن الماضي وتعرف السبب في وضعه فسوف لن تضحك فزكي نجيب محمود فيلسوف من اصحاب (الوضعية المنطقية) وهذا المذهب الفلسفي من اهم اسسه فضبط معاني الالفظ وتعرف انه وضعه في عهد انفتاح السادات ذلك الانفتاح الذي ادخل مصر إلى كهف افلاطون وتعرف انه يعني به (العلمانية).انفتاح السادات من الظلمات التي كدسها في الأفق الناصري على مصر, ظلمة الارهاب الديني الذي ابتلعه بعد ان اشتد عوده.. وكانت محاربة العلمانية هي الهدف المعلن لهذا التيار فراح زكي نجيب وأمثاله يوضحون ما هي العلمانية التي هي بفتح العين لا بكسرها فالفرق بينهما كبير فهي بالكسر تعني انها مأخوذة او مشتقة من العلم في مقابل الدين اما بالفتح فهي مشتقة من العالم اي الناس ولذلك ترجمها الفيلسوف الدكتور فؤاد زكريا (الزمانية) أي الاتجاه الى الناس ومصالحهم وعدم التفريق بين إنسان وآخر او طائفة واخرى.. فالناس كلهم سواسية على اختلاف مذاهبهم وعروقهم.. الاساس الأول الذي تقوم عليه العلمانية هو: حرية الاعتقاد لا إنكاره وعندما ينتفي هذا الاساس تنتفي العلمانية بقضها وقضيضها وقد اعاد الدكتور جورج طرابيشي في مقالة قيمة له جذرها الاول الى قول المسيح (أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله) اما الدكتور سمير أمين فقد اعادها الى تعاليم كنفشيوس الذي دعا إلى حرية الاعتقاد.ليس هناك مرادف للعلمانية في اللغة العربية.. ومعنى هذا حسب طرابيشي (انها لم تكن مطروحة كإشكالية في الحضارة العربية الاسلامية) بالاضافة الى ما قال طرابيشي يبدو ان المنزلق في فهمها ناشيء من الترجمة او من الجهل او من تفجرها كإشكالية بين الكنيسة وبين الدولة أي من حدة ظهورها تاريخيا في العصر التنويري بعد الثورة الفرنسية.اعرف ان كثيرا من الذين سيقرأون هذه المقالة سيرمونني بصفة (العلمانية) وسيقولون: (لقد اعترف فلان نهارا جهارا بأنه علماني) وانا لا يروعني هذا الوصف ولكن بشرط ان ينطلق من لسان شخص يفهم ما هي العلمانية.. شخص لا يعتقد ان من لا يؤمن بعقيدته هو يصبح على الفور كافرا مأواه جهنم خالدا فيها.لكن أين هو هذا؟