محمد الحرز
مسألة تجديد الفكر الديني في الإسلام ظلت تحتل مساحات شاسعة من اهتمام الغالبية العظمى من المفكرين والباحثين المختصين في التاريخ الإسلامي , وغير المختصين كذلك . والسبب يكمن في الطلب المتزايد على تفسير وتحليل ظاهرة الإسلام السياسي التي أصبحت تهدد أمن واستقرار النظام الدولي حسبما يرد في الإعلام والصحافة العالمية , وما يرد أيضا في الخطاب السياسي العالمي . لذلك عمت الفوضى مجمل الآراء والأفكار التي تدور حول هذه الظاهرة , وبعض المسائل المتعلقة بالفكر الديني, وليس أدل على ذلك سوى العرض والطلب الذي تخضع له هذه الآراء والأفكاركلما احتاجت القنوات الإخبارية الفضائية والصحف جراء تفجير إرهابي أو عنف مسلح يقع في هذه البقعة من العالم أو تلك , إلى تحليل صحفي لا يخضع للشروط الموضوعية والتاريخية والسياسية للحدث نفسه بالقدر الذي يخضع فيه لضغط التحالفات السياسية من جهة , ولمعيارية الربح والخسارة في إطار تسويق الحدث والمعلومة تجاريا من جهة أخرى.مثل هذه التحاليل الصحفية أصحابها يظهرون على شاشات الفضائيات تحت مسميات من قبيل « باحث مختص في شؤون الجماعات الإرهابية» أو في شؤون الجماعات الإسلامية أو في قضايا إسلامية معاصرة...إلخ. وهي تسميات في أغلبها تعكس روح الاستهلاك السياسي والتجاري للفكر والعقل على حساب الثقافة والمعرفة المعمقة والتحليل العلمي الدقيق. لذلك تأتي تحاليل هؤلاء آنية واختزالية والأسوأ كونها في معظم الحالات تحجب الحقائق وتزيف الوقائع , ولا داعي هنا لضرب الأمثلة لأننا أولا لا نحاول هنا في هذه المقالة تفصيل القول في هذه المسألة , بل للتدليل على قضية أخرى تمس تجديد الفكر الديني , وثانيا يكفي أن تتابع البرامج الإخبارية والسياسية والثقافية في مختلف الفضائيات لتتأكد من أن مثل هؤلاء المحللين الذين هم حسب الطلب تحولوا إلى نجوم يضاهون نجوم الفن والطرب والرياضة.بل إذا ما كان أكبر. وهذا أمر واضح للداني والقاصي , ولا يرتاب فيه أو يشك ذو بصيرة نافذة . ولأن الفرز مطلوب في مثل تلك الحالات من الفوضى والخلط فإن الباب المفضي إلى تلك الغاية يتمثل في معرفة الحقيقة التالية: قضايا التجديد في الفكر الديني تبلورت- لا تعنيني هنا الدراسات الاستشراقية التي لها سياق مختلف لسنا في صدد الحديث عنه هنا- منذ بدايات عصر النهضة , وأخذت تتشكل ملامحها على يد الكثير من المفكرين والعلماء بداية من جمال الدين الأفغاني ونهاية عند طه حسين وعلي عبد الرازق . ولم تكن تلك سوى البدايات التي استتبعها الكثير من الدراسات التي حاولت من زوايا مختلفة ومرجعيات ثقافية متعددة أن تجيب عن سؤال التجديد من منطلقات منهجية حديثة , لم يألفها الفكر الإسلامي في حينه . وكان دافعهم الشعوري والنفسي الذي يحركهم من العمق باتجاه طرح قضايا التجديد هو الإحساس بالمأزق الفكري والوجودي أمام آخر تفوق عليه في شتى مجالات الحياة. هذا الدافع كان يطبع جل الأفكار والدراسات التي فتحت الباب على تلك القضايا باختلاف مشاربها ومعتقداتها بينما ما نشهده الآن من دوافع تحرك تلك الدراسات من الخلف هي وثيقة الصلة – ليس في غالبيتها بطبيعة الحال- بما ينعكس على أرض الواقع من تحالفات سياسية توجه دفة الأفكار يمينا أو يسارا حسب الظرف الاجتماعي والسياسي والديني والاقتصادي التي تسمح به تلك التحالفات . هذا التباين في الدوافع بين لحظتين في الفكر الإسلامي يكشف عن نكوص يمس مبدأ أخلاقيا طالما افتقدناه في مثل تلك الدراسات , وهو مبدأ الإخلاص للحقيقة والحقيقة فقط . وأعزو هذا الفقدان إلى فساد أهل المعرفة بالسياسة إلا ما رحم ربي !. لكن في ذهني نماذج من المفكرين القلائل الذين استطاعوا أن يؤسسوا نوعا من التوازن الروحي والفكري بين الفكر الحداثي من جهة , وبين الفكر التقليدي من جهة أخرى في ذهنية الإنسان المسلم دون أن ينزلقوا إلى طرف دون آخر . أي أنهم من جانب ينبذون ويحاربون الأفكار التي تتغذى على الماضي , ويمارسون النقد ضد الفكر الحداثي رغم ما يسلمون به له من حيوية وحركة وحياة لا غنى للباحث عن الاستفادة من مناهجه وعلومه من جانب آخر. هذا أمر أصبح بديهيا لا يحتاج إلى توضيح أو تبيان . إن المؤرخ التونسي محمد الطالبي هو خير مثال على ما قلنا . لقد ظل طيلة أكثر من ربع قرن ملتزما بقضايا التجديد في الفكر الديني , وأهم هذه القضايا التأسيس لحوار حقيقي بين الأديان , وصياغة مفاهيم معاصرة لحرية المعتقد لدى الفرد المسلم في الإسلام , ومحاولة الخروج إلى إيمان منفتح على مكتسبات الحداثة وما بعدها . يقول عنه الباحث المغربي محمد الصغير جنجار» يسعى محمد الطالبي منذ أزيد من عشرين سنة إلى صياغة رؤية إسلامية معاصرة تتصدى للمشكلات الكبرى التي تهز الضمير الديني . وذلك وفق مقاربة تتميز بالوفاء الديناميكي والنقدي للتراث والانفتاح المسؤول على مكاسب العقل الإنساني الحديث . وما التأليف الحي الذي يقيمه بين مقتضيات الإيمان الإسلامي وحقوق الإنسان إلا واحد من أوجه التجديد والابتكار التي يحفل بها فكره « . وقد سعى جاهدا هذا المفكر الرائع إلى تبني مشاريع عالمية غايتها تأسيس حوار حقيقي بين الأديان , فمن خلال بحوثه ودراساته كان مفهوم الحوار والتأسيس له هو الهاجس الأكبر الذي يحركه من العمق. وعندما نال جائزة مؤسسة دجوفاني أنييلي للحوار بين العوالم الثقافية قال عنه مديرها مارتشيللو باتشيني « إنه مثال بارز على المثقف المتيقظ لجملة المشاكل الثقافية التي تعاني منها المجتمعات العربية المعاصرة والإسلام في مواجهة تحديات الحداثة . فإن معرفة الطالبي التاريخية بالعلاقات بين العالم الإسلامي وأوروبا المتوسطية , المشفوعة بتحليله النير لديناميات مجتمعات اليوم الفاعلة على الصعيدين الاجتماعي والسياسي , هي التي دفعت الطالبي إلى عدم الاقتصار على البحث التاريخي . بل إنه يكرس نفسه مع ما يحركه من حماسة فكرية وقدرة إبداعية عالية , من أجل ترقية الحوار بين الثقافات في العالم المعاصر, لا سيما بين الثقافة والديانة الإسلامية والثقافة الأوروبية والديانة المسيحية. فالالتزام بجانب الحوار يصبح بالنسبة إلى الطالبي خيارا حياتيا يتطور على مستويين : تفكير يدور حول ثقافته الخاصة وإيمانه الإسلامي, من أجل تشجيع تجددهما بالانفتاح على المتطلبات الأخلاقية والسياسية الملازمة للعصر الحديث, ونشاط مشاركة مكثف في حلقات تفكير تضم مثقفين ينتمون إلى ثقافات وديانات مختلفة , لا سيما المسيحيين « . وعندما سئل في أحد حواراته : هل يستطيع المسلم من داخل ديانته الدخول في حوار حقيقي مع أصحاب ديانات أخرى ؟ وبعبارة أخرى: هل يسمح القرآن بالحوار؟ أجاب « هو أكثر من مسموح فالقرآن نفسه حوار من أوله إلى آخره. نجد فيه على سبيل المثال فعلا كثير الورود هو فعل « القول» وهو فعل مهيمن تجده في كل صفحة .