محمد العصيمي
ذكرتني مقالة عمنا نجيب الزامل يوم الثلاثاء الماضي بحفلة الطقاقات الوحيدة التي حضرتها أيام كنت في الرياض. كانت الطقاقة تبدأ «الكونشرتو» بـ «مركب الهند أبو دقلين» وتنهيه بـ «سافروا ما ودعون»، وما بين الأغنيتين ترفع عقيرة دفوفها وصوتها معجبة، مع سبق الإصرار والترصد، بموهبتها الغنائية، حتى انك تحار: هل تضع فيروز في مصافها أم ترفع الطقاقة مرتبة فوق مرتبة الذهبيات الفيروزية.!!مشكلة العم نجيب، وأنا هنا أعلن على الملأ حبي له، أنه بدأ الكتابة بعد الأربعين، أي أنه نابغة ذبياني اكتشف فجأة القلم والصحافة فراح يرسل مقالاته مدرارا محاولا أن يقفز بكامل طاقته إلى سفينة الحرف. وهي سفينة لو تعلمون عصية على من لم يصارع الأفكار في صغره ولم يكابد القراءة مبكرا ولم يخض مع الخائضين في لجة البحر الاجتماعي المتلاطم بالمفارقات والسواهي التي تخبئ الكثير من الدواهي. ولذلك حين رأى مني ومن غيري جرأة على غير ما تعود عليه فقد شيئا من توازنه وسقط سقطة نجلاء، حين أوقع نفسه وأوقعنا في مطب الوالي العاري والأطفال الذين يصرخون معلنين عريه وسذاجته.لم أفهم، ولم يفهم الذين سألتهم، ما إذا كان يُفترض أن نكون ذلك الوزير الذي رقص لعري الوالي وأسبغ عليه نفاقه ومنحه صك الألمعية الزائفة. فإذا كان ذلك كذلك، كما كان يقول مشايخنا في المعهد العلمي، فإننا يجب أن نُغمد أقلامنا وندفنها دون أن نصلي عليها، لأن صلاة الميت لا تصح على كافر والقلم الذي لا يعرف كيف يكتب أو ينزف هو قلم كافر.لقد فضل كثير من الكتاب أن يبقوا أطفالا يصرحون بما يسمعون أو يرون أو يحسون على أن يحرقوا البخور في حضرة الوالي العريان. ولذلك تجد، ياعمنا نجيب، بعض الكتاب الحقيقين يسكنون رفوف النسيان والإهمال لأنهم لا يقدرون على غناء الطقاقات. وحين أعياهم الفهم والتفهم انسحبوا إلى دواخلهم يمضغون الحسرة ويقتاتون الأسف على أهلهم وناسهم السادرين في غي الزيف والسذاجات والفراغات الفكرية.لا يستطيع الكاتب الحقيقي أن يطبطب على كتف مسؤول مقصر أو مهمل ويقول له أنت رائع لكن لو تتفضل بالانتباه إلى مسؤولياتك سنكون ممتنين لفضلك. الكاتب الحقيقي في مثل أوضاعنا يجب أن يضع إصبعه في عين المسؤول ويخطفها لعله يفركها ويرى الحقيقة كما هي على الأرض لا كما يحب أن يراها ويتعامل معها. ولدينا من المسؤولين، كما لا يخفى عليكم، من لا يبصر أو يعي إلا حين نضع إصبعنا في عينه أو نرسله إلى بيته لينام نومة نصوحا أو يلوك حكايات الضحى مع عجائز الحي.تعبنا، وهذه حقيقة لا مراء فيها، مع بعض المسؤولين الذين أصابتهم تخمة المناصب وأصبحوا لا شغل لهم سوى الإطلالات الإعلامية الرديئة التي يعلنون فيها الإنجازات والمبادرات التي تنتهي كل مرة على «ما فيش». نريد صلابة في مواقف الكتاب من هؤلاء المسؤولين لتفضحهم وتكشف تقصيرهم وإهمالهم، فهذه هي وظيفة الكاتب وعليه عبء النهوض بها على وجهها الأكمل والأمثل، وإلا فليكف عن الكتابة ويكفي القراء عناء مطالعة كتاباته التي تؤخر بدل أن تقدم.وفقنا الله.osaimin@yahoo.com