حسن السبع

حسن السبع

من مزايا التقنية الحديثة، وهي كثيرة، أنه إذا نُشر لك مقالٌ على موقع إلكتروني تستطيع معرفة عدد القراء الذين أطلوا عليه. ستجد ذلك في خانة عدد القراءات. فإذا كنت حديث عهد بالكتابة، ورأيت مؤشر القراءات منخفضا، فإن ذلك لا يعني، دائما، أن ما كتبته أقل شأنا مما كتبه غيرك، لكن للأسماء سطوتها ونفوذها وسحرها. وليس المقصود بذلك التقليل من شأن ما يكتبه ذوو الأسماء اللامعة، إلا أن بعضهم قد يذيل المقال باسمه، أحيانا، سواء غرَّد الطائر أم لم يغرّد. ذلك أنه قد يتعذر، في بعض الأحوال، التوفيق بين الكتابة الصحافية اللاهثة والإتقان.وعند الحديث عن الأسماء اللامعة، لا يقتصر الأمر على الكتابة الصحافية وحدها، بل يطال ذلك الأعمال الإبداعية الأدبية والفنية أيضا. ففي حوار بين الكاتب الأرجنتيني بورخس والكاتب ويليس بارنستون، يعلق الأخير قائلا: ?أنا مقتنع بأن قصائدك الجديدة هي الأكثر قوة ذكاءً وعاطفة?. فيعترض بورخس قائلا: ?كلا. أعتقد أنك مخطئ.. أنت قرأتها في ضوء القصائد المبكرة، في حين لو أنها أتت إليك على أنها مكتوبة من قبل شاعر مغمور فسوف ترميها جانبا.. عندما تفكر بشاعر فأنت دائما تفكر بقصيدته الأخيرة على أنها رفيعة، لكنك إذا تناولتها بمفردها فربما لن تكون كذلك?. وما يقوله بورخس عن الشعر يمكن أن يقال عن بقية أشكال الكتابة الأخرى. وسواء كنت حديث عهد بالكتابة أم لا، فلا تحبط إذا وجدت عدد القراء قليلا. إن المقارنة بين عدد قرائك وقراء كاتب آخر يجاورك غير مجدية، فهي ليست ترمومترا صادقا لقياس الجودة أو الرداءة. أما إذا كان لا بد من المقارنة فهنالك عدة افتراضات يمكن أن تخفف عنك الهم وتجلو الغم. في أيام الامتحانات يمكنك أن تفترض أن قراءك يمرون بحالة طوارئ ولا يجدون الوقت الكافي للقراءة. وفي الصيف يمكنك أن تفترض أنهم قد سافروا إلى ما وراء البحار. وإذا كنت تحب العيش في ظل كذبة جميلة فيمكنك أن تشكك في ذاكرة الحاسب الإلكتروني وقدرتها على الإحصاء.. أو حاول أن تعزي نفسك على طريقة الشاعر العربي الذي قال: ?تعيرنا أنا قليل عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل?. أو قل: ?قليل دائم خير من كثير منقطع?. لكن أسوأ تلك الافتراضات أو التبريرات هي أن تقول ما قاله أحد كتاب الشابكة (والشابكة تسمية للإنترنت أتحفنا بها مؤخرا مجمع اللغة العربية بدمشق). سئل ذلك النحرير: لمن تكتب؟ فأجاب بثقة متناهية: ?إنني أكتب للقارئ المستقبلي?! ومن قال لك، يا سيدي، بأن على من يكتب للمستقبل قطع صلته بالحاضر.. إن مبدعي الأعمال الفكرية والأدبية والفنية الخالدة قد كتبوا لحاضرهم وللمستقبل. المهم هو إعطاء الكتابة صفة الديمومة بحيث تكون صالحة لكل زمان ومكان. أما ادعاء الكتابة للمستقبل وحده فهذا وهم.. إذ سيكون لقارئ المستقبل كتابه وشعراؤه واهتماماته الخاصة.في ظني أن الكاتب لا يحتاج إلى معرفة لمن يكتب.. عليه فقط أن يكتب.. كما كان يفعل هنري ميللر الذي يرجح كفة ?رضا الكاتب? على كفة ?رضا القارئ?. فهو يكتب لأنه يستمتع بالكتابة. والمهم عنده هو ما تثيره الكلمات لا ما تقوله. وإذا كان لا بد من تذكر القارئ أثناء الكتابة فينبغي أن يكون سبب ذلك القلق أو الخوف هو الحرص على تقديم ما هو أفضل. ذلك قلق مشروع.مع ذلك، لا توجد كتابة لا تبحث عن قارئ ما أو تتوجه إليه. لكن بحثها عن القارئ لا ينبغي أن يجعلها حبيسة توقعاته ورغباته وميوله وتوجهاته. والذين ينتقدون الكتاب لأنهم يبتعدون عن اهتمامات ومطالب بعض القراء، يفترضون أن يكون الكاتب موظفا في إدارة التسويق ومن مهماته زيادة معدلات التوزيع. كثيرون هم الذين استكتبوا لزيادة معدلات التوزيع لكنهم لم يصنعوا وعيا فكريا أو جماليا، ومروا دون أن يتركوا أثرا يذكر. ولعل هذا ما دفع كاتبا مثل أرنستو ساباتو إلى السخرية من الكتب الأمريكية الأكثر مبيعا لأن علاقتها بالإبداع ضعيفة جدا: ?إن تلك الكتب الأمريكية التي يقوم فريق لكتابتها بعد دراسة السوق، وتدخّلِ مجلس إدارة شركة النشر، تبدو لي بكل بساطة مجرد قمامة (!!) وفي مثل هذه الحالات فإنني أفضل الكتب الأسوأ مبيعا?! تنتظر منك مثل تلك المؤسسات التجارية أن تكون واضحا مباشرا بسيطا عاديا وربما ضحلا. تنتظر منك كل شيء إلا أن تكون لغتك معبرة ولمعانيها صفة الديمومة. يسخر ميللر، كذلك، من بعض الناشرين ومحرري المجلات الحريصين على إرضاء القارئ بقوله: ?إنهم يريدون إرضاء القارئ العادي. هم يظنون أنهم يعرفون ما يريده الناس. أما أنا فأرى أنهم لا يعرفون كوعهم من بوعهم?! لكن بالرغم مما يقوله ميللر عنهم فهم يحققون أرباحا طائلة. فهل يعتبر ذلك من قبيل ?رزق البله ع المجانين? كما يقول المثل الشعبي؟ خلاصة القول فإن السؤال القائل: لمن تكتب يبدو من لزوم ما لا يلزم.. فالقراء مختلفون، واهتماماتهم مختلفة.. وإجابات الكتاب ستكون مختلفة، ولذلك لا يمكن للكاتب أن يعرف لمن يكتب، إلا إذا كرس قلمه لموضوع واحد لا يتغير. وإذا استثنينا القراء المأخوذين بالأسماء وحدها، فإن كل قارئ يبحث عن ضالته المعرفية ليأخذها أنى وجدها. hsn_saba@hotmail.com