محمد الحرز

محمد الحرز

«لا إبداع للحاضر من دون قطيعة معرفية مع ماضيه لإنتاج معرفة حقيقية حاضرة ـ والشعر معرفة بامتياز ـ لابد من قطيعة مع آلية إنتاج المعارف السابقة. وهذا ما لم يحدث لحد الآن على الصعيد الشعري من الداخل». هذه العبارة هي بمثابة الرؤية الفكرية المنهجية التي يتكئ عليها د.محمد عضيمة في دراسته المعنونة «الشعر الحديث واغتيال الحاضر» وليست هذه المقولة التي تتموضع في مقدمة الدراسة سوى صدى يتردد في أغلب مشاريع الباحثين في الفكر العربي والتي لها جذورها التي تستمدها من أطروحات الفكر الغربي المعاصر للأسف.وقد حددت الدارسة في بدايتها سؤال الأزمة الشعرية بالصورة التالية: ترى هل أنتج شعراؤنا المعاصرون هوية شعرية ناضجة ومتميزة عن هوية الأسلاف أولاً وعن هويات الشعر في بلدان العالم ثانياً؟ أي هل أنتجوا هوية شعرية لا مرجع لها إلا حاضرها ..؟؟ واستناداً إلى بعض المفاهيم الثنائية مثل ( الغياب والحضور) يعالج الباحث أسئلته بالطريقة ذاتها التي تجعل من الشعر الجاهلي مركز الاستقطاب والبؤرة التي تنبعث منها القوة أو الطاقة الشعرية التي تلبست الشاعر الجاهلي، الذي كان يعيش حياة حضور مليئة بالتجربة الحسية المعمقة, الأمر الذي يعكس جانباً مهماً, هو في كون الشعر الجاهلي أصبح في تراثنا العربي ذاكرة لها حضورها الخلاق والمتواصل مع كل الأجيال اللاحقة عليه، وهذه الحقيقة التي يشير إليها الباحث يقابلها بالتحولات التي أحدثت تغيراً جذرياً للإنسان العربي بانتقاله إلى حياة الإسلام وجماليات القرآن الكريم التعبيرية. وإذا كان الباحث يرى أن تلك التحولات سببت شبه غياب للشعر، مقارنة بالشعر في العصر الجاهلي فإننا نرى أن ذلك الغياب ليس راجعاً إلى تلك التحولات ذاتها وإنما هناك ما يمكن أن نسميه بالفترة التأملية ثم الاستيعابية للحياة الجديدة بجمالياتها التعبيرية المتنوعة وهذا في حد ذاته، لا يشكل غياباً تاماً وإنما تأجيلا للحضور, بحيث تسبقه مراجعة وإعادة صياغة للشعر وفق الحياة الحديثة للعرب وقتئذ. وعلى مستوى آخر يؤكد على أن التجربة الشعرية بعد العصر الجاهلي أصبحت تجربة لا تؤسس للجديد بسبب: أولاً الوعي المأزوم الذي يرى أن الأفضلية في الشعر للمتقدم على المتأخر. وثانياً: انبهار التجربة الشعرية أمام الجماليات الفنية التي جاء بها القرآن الكريم، لذلك جاء الشعر مأزوماً بهذا الوعي حتى عند عمالقة الشعر العربي ومبدعيه: من المعري مروراً بأبي تمام والمتنبي .. إلخ، وهو يرى أن هذا الوعي مازال يتحرك بفاعلية في مشهدنا الشعري العربي الحاضر. من غير شك أن هذا التحليل له وجاهته وقوته التعليلية من جانب، وإخفاقاته من جانب آخر، فوجاهته تكمن في قدرته على استظهار الكوامن النفسية واستدراك المكبوت المستبطن في التجربة الشعرية العربية على امتداد تاريخها الطويل. وهذا في حد ذاته يعطي إجابات على مستوى من الأهمية، في الكشف عن حركة التجربة الشعرية، وعن نقط الالتقاء والتعالق فيما بينها وعن سماتها المشتركة التي تنتمي إلى النسق الثقافي الذي يحكم التجربة الشعرية العربية، بمختلف توجهاتها وتنوعاتها. يضاف إلى ذلك ما يحمله التحليل من إشارات ضمنية تشير إلى مفردات الوعي الجمالي عند العرب دون أن يصرح التحليل مباشرة بذلك. بينما إخفاقاته تكمن في تغييبه جوانب مهمة لها صلة وثيقة بالموضوع نفسه من ضمنها أولاً: ما يتسم به الشعر الجاهلي بالشفوية، وهذه السمة تشير إلى سهولة امتصاصه لكل جديد من دون أن يؤثر ذلك على بنيته القديمة. ثانياً: تقودنا الفرضية السابقة إلى أننا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار المرحلة الشفوية الجاهلية، وتمايزها من حيث الوعي الجمالي واللغة والوعي الثقافي والاجتماعي عن مرحلة الكتابة في العصر الوسيط وخصوصاً في العصر العباسي، الذي برزت فيه تجارب شعرية لا يمكن أن نحيل مرجعيتها ومصدرها كوعي جمالي ونختزلها في بعد واحد سابق عليها, وإنما للحاضر سلطته وحضوره بشكل أو بآخر على مثل تلك التجارب, وهذا ما يجعلها حالة استثنائية في الشعر العربي كبشار بن برد والمعري, وأبو نواس وابن الحجاج وغيرهم, وأيضاً يدعم هذا التوجه ما نلاحظه بدقة عند بعض النقاد القدامى أو الشعراء في محاولاتهم لفهم الشعر عبر الانفلات من تأثير العلوم اللغوية والبلاغية والبيانية فهذا الشاعر البحتري ـ مثلا ـ كما ورد في العمدة، يفضل أبا نواس على مسلم بن الوليد ، وحينما يُنبه على أن لثعلب رأياً مناقضاً يؤكد : ليس هذا من علم ثعلب وأضرابه ممن يحفظ الشعر ولا يقوله، وإنما يُعرف الشعر من دفع إلى مضايقة وهناك نص هام ورد في البيان والتبيين عند الجاحظ حيث يقول: ( طلبتُ علم الشعر عند الأصمعي فوجدته لا يعرف إلا غريبه فرجعت إلى الأخفش فوجدته لا يتقن إلا إعرابه، فعطفتُ على أبي عبيدة فوجدته لا ينقل إلا ما اتصل بالأخبار، وتعلق بالأيام والأنساب فلم أظفر بما أردتُ إلا عند أدباء الكتاب كالحسن بن وهب ومحمد بن عبدالملك والزيات) هذا الاعتراف عند الجاحظ له دلالة هامة تؤكد بصورة أو بأخرى على حساسية الاختلاف في فهم الشعر وغيريته واختراقه عما يتم التنظير له في حقول المعرفة المختلفة في ذلك العصر، كل هذه الاعتبارات لها وجاهتها عند ما نريد أن نموضع تجربة الشعر العربي داخل سياقها الداخلي والخارجي. وأن نحدد منابعها ومدى قربها أو بعدها عن مرجعية الأسلاف أو مدى علاقتها بالجماليات الفنية للقرآن الكريم باعتبارها حافزاً للتجربة الشعرية العربية. وربما الأسئلة التي يطرحها الشعر على نفسه في مشهدنا الحالي لا تذهب بنا بعيداً لتلمس تلك الدلالات التي تؤثر بوعي أو غير وعي في بنية الشعر بتجاربه الإبداعية بحيث يمكننا أن نكشف عن مرجعيات متعددة لا تنحصر في تاريخنا العربي فقط، وإنما يمكن أن نستكشف مناطق مغيبة لها من الفاعلية والتأثير والاندماج ما يجعلها تشكل قيمة ثقافية تندرج ضمن المفردات الشعرية والمعرفية المألوفة والسائدة في خطابنا المعرفي واللغوي بشكل عام. فهل بدأنا ننفتح على مثل هذه الرؤية بحيث يؤول الأمر إلى التنقيب عن هذه الرؤية في عمق تراثنا الممتد في ذواتنا أولاً ثم الكشف عن حجبه في تراثنا المكتوب ثانياً .