مجلس التعاون المشروع الناجح
عندما أنشئ مجلس التعاون في مايو 1980 كنت أقيم في مدينة ابو ظبي عاصمة دولة الامارات العربية المتحدة كممثل لبلادي المملكة العربية السعودية في مجلس المديرين التنفيذيين لصندوق النقد العربي الذي أنشأته الدول العربية هناك قبل ثلاث سنوات لإعادة تدوير جزء من الفوائض البترولية (الخليجية) لبقية الدول العربية بهدف تسريع تنميتها الاقتصادية. كان علينا في ذلك الوقت أن ننتظر لأكثر من ثلاثة شهور على الاقل لكي نحظى باستقبال مواطن سعودي واحد تشاء الصدفة أن يزور مدينة أبو ظبي. وحتى مدينة دبي التي كانت تهيئ نفسها لانطلاقتها الحالية بإنشاء ميناء جبل علي وتوسيع المطار لم تكن تحظى بزيارة السعوديين الا نادرا لأنها ببساطة «ليست على الطريق». وخلال ربع قرن تغيرت الصورة تماما فالذهاب من الرياض اليوم الى أ بو ظبي أو دبي أو البحرين أصبح لا يختلف على الذهاب الى جدة أو الدمام أو المدينة أو أبها. والتجارة (صادرات وواردات) بين المملكة وبقية دول مجلس التعاون قفزت من ارقام لا تذكر الى أن فاقت 8 بلايين دولار في نهاية عام 2005م. وهي تتضاعف كل خمس سنوات. ولن يمر وقت طويل حتى تصبح بقية دول مجلس التعاون هي الشريك التجاري الأول للمملكة وذلك لسببين الأول هو أن التجارة بين المملكة وبقية دول مجلس التعاون تزداد بمعدلات أسرع من نمو الناتج المحلي الاجمالي لجميع دول المجلس والثاني هو أن التجارة البينية لهذه الدول تزداد بمعدلات أعلى من معدلات النمو في مجمل تجارتها مع العالم الخارجي. وما يسري على المملكة ينطبق على بقية دول مجلس التعاون. فلو نظرنا الى أرقام تجارة مملكة البحرين مثلا مع بقية دول مجلس التعاون لوجدنا نفس الظاهرة حيث تضاعفت تجارتها مع بقية دول مجلس التعاون خلال خمس سنوات من قرابة 1600 مليون دولار في عام 2000 الى ما يزيد على 3200 مليون دولار في عام 2004.ورغم أن أغلبية دول مجلس التعاون مصدرة لرأس المال إلا أن تبني دول المجلس للمزيد من سياسات الانفتاح واقرار أنظمة وقوانين توحيد السوق ومساواة المستثمرين من مواطني دول المجلس الطبيعيين والاعتباريين بمواطني الدولة العضو قد ساهم في تدفق الاستثمار بين دول المجلس. وليس أدل على ذلك من المشاريع العملاقة التي تشهدها معظم دول المجلس والتي يلعب القطاع الخاص الخليجي دورا رائدا في طرحها وتمويلها وادارتها.وحتى السياحة البينية الخليجية التي بدأت من لا شيء تقريبا اصبحت تشكل نسبة لا يستهان بها من الناتج المحلي الاجمالي للعديد من دول المجلس. وما على المراقب إلا أن يشاهد مطارات الخليج وطرقه البرية وفنادقه ليستنتج أن الخليج أصبح هو الخيار الأول للسياح الخليجيين.ان التعاون بين دول المجلس هو الذي وفر الغطاء الأمني والسياسي لهذه الدول لكي تمضي قدما في تنفيذ خططها الهادفة الى تطوير هياكلها الأساسية وتوسيع قاعدتها الاقتصادية وتنويعها. كما أن هذا التعاون هو الذي مكن الدول الاعضاء من حشد الجهود الدولية لتحرير الكويت من براثن الاحتلال. وقد أدى ذلك الى مزيد من الثقة بالنفس، وحول دول المجلس لاعبا رئيسيا فيما يخص القضايا الاقليمية الرئيسية.السؤال الذي يطرحه المواطنون دائما ليس التشكيك بجدوى المجلس وانما المطالبة بتحقيق المزيد من الانجازات مما يدل على أن المجلس أصبح متغلغلا في أعماق المواطن. ولا شك أن أي عمل جماعي يتطلب الصبر للوصول الى القرارات ويصادف بعض التسويف من قبل بعض الدول لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه ويخضع للمراجعة من وقت لآخر لتقييم المسيرة. هذه الأعراض لا تنفرد بها دول المجلس وانما هي صفات ملازمة لأي عمل جماعي. وما عليك إلا أن تتبع المسار التاريخي للاتحاد الاوروبي لتجد الدليل على ما ادعيه. فقد ظل ذلك الاتحاد يراوح مكانه لمدة ثلاثين سنة الى ان اتخذت دوله القرار الشجاع بتغيير طريقة التصويت عام 1986م. كما لا يجب أن نذهب بعيدا لإيجاد الأدلة فقبل سنتين فقط أسقط الناخبون الاوروبيون مشروع الدستور الموحد بعد اكثر من ثلاث سنوات من العمل المضني على مستوى الدول الأعضاء و على مستوى أجهزة الهيئة الاوروبية في بروكسل. فالأخطاء والمراجعات والاخفاقات هي من طبيعة اي مشروع تحت التنفيذ (work in progress). فالاتحاد الجمركي تصادفه بعض المصاعب مثل توحيد المواصفات وتوحيد الحوافز وايجاد آلية سهلة ومرنة ومقبولة وعادلة لتوزيع الحصيلة الجمركية بين الدول الأعضاء لكي تتحقق نقطة الدخول الواحدة وتلغي الحدود الجمركية. وايجاد حل لاتفاقيات التجارة الحرة التي وقعتها بعض الدول الأعضاء مع طرف ثالث. لكن رغم ذلك ظل الاتحاد الجمركي يعمل والتجارة تتدفق بكل سهولة ويسر وتزداد سنويا بمعدلات متسارعة كما سبق أن أشرت. ولا أحد يدعو الى الغاء أو ايقاف الاتحاد الجمركي وانما بذل المزيد من الجهود لإزالة العوائق التي تواجهه.وهناك قرارات اتخذت لمساواة المستثمرين من الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين والمهنيين والحرفيين بمواطني الدولة العضو المضيفة وتتوسع قوائم هذه الانشطة عاما بعد عام لدرجة ان عدم السماح أصبح هو الاستثناء ولم يعد هناك إلا عدد قليل من الانشطة غير المسموح بممارستها. ويصادف التنفيذ الكثير من القيود البيروقراطية وتأخر بعض الدول في اصدار القوانين لكن الاستثمار عبر الحدود يتزايد و المشاريع المشتركة تتنامى لدرجة أن الكثير من المواطنين اتخذوا محلات اقامة ثانية لهم في دولة أخرى أو أكثر من دول المجلس. ورغم بعض التعقيدات ا لادارية وبعض الاحباطات التنفيذية إلا أن أحدا لا يطالب بإلغاء قرارات المساواة وانما المطالبة بالمزيد من التسهيل.اتخذ قادة دول المجلس قبل ثلاث سنوات قرارا بالعمل على توحيد العملة في عام 2010م، ومنذ ذلك التاريخ والدراسات تتم واللجان الفنية والوزارية تجتمع لتنفيذ هذا القرار في موعده، إلا أن الاتفاق على معايير موحدة للسياسات النقدية والمالية التي ستصاحب توحيد العملة كانت عرضة لبعض التجاذبات. كما أن احدى دول المجلس اشارت الى أنها غير مستعدة في الوقت الحاضر للدخول ضمن منظومة العملة الموحدة. وقامت دولة ا خرى بتغيير ربط عملتها بسلسلة من العملات المرتبطة بتجارتها الخارجية خلافا لما سبق الاتفاق عليه بربط عملات دول المجلس بالدولار الامريكية كمرحلة اولى نحو اصدار العملة الموحدة. قد تؤخر هذه العقبات موعد اصدار العملة الموحدة لكن الجميع مقتنع بأن الاقتصاد الخليجي الموحد يتطلب العمل على توحيد العملة. فمازالت التحويلات المالية من دولة خليجية الى اخرى تتم عن طريق نيويورك. وهذا يعيق من حركتي التجارة والاستثمار بين دول المجلس. لذا فإن العملة الموحدة قادمة لأن الجميع يريدها، والتعاملات اليومية بين مواطني دول الخليج تتطلبها، والدور الاقتصادي المتنامي لدول الخليج على المستوى العالمي يملي وجودها.سبق أن قرر أصحاب السمو والمعالي وزراء داخلية دول المجلس التنقل بين الدول الأعضاء بالبطاقة الشخصية (الهوية) والعمل على اصدار جواز موحد والسماح مستقبلا للأجانب الحاصلين على تأشيرة من احدى دول المجلس بالتنقل بين بقية دوله الأعضاء. وقد حالت بعض المتطلبات الفنية دون تنفيذ ذلك من قبل بعض الدول الأعضاء. لكن هذه المتطلبات الفنية يتم التغلب عليها تدريجيا لأن الرغبة متوافرة لدى الجميع بضرورة التنفيذ لتسهيل تنقلات المواطنين والمقيمين. تتفاوض دول المجلس مع الدول والمجموعات الاقتصادية ككتلة واحدة. فهناك مفاوضات مع كل من الاتحاد الاوروبي ومنطقة التجارة الحرة الاوروبية والهند والصين واليابان وباكستان وبعض الدول العربية وبعض دول أمريكا اللاتينية وذلك لاعداد اتفاقيات للتجارة الحرة بين دول المجلس وهذه الدول والمجموعات. هذه المفاوضات طويلة ومرهقة للأمانة العامة وللدول الاعضاء وقد يصاحبها بعض خيبات الأمل لكن الجميع مقتنع بضرورتها وأهميتها لحماية مصالح دول المجلس وتقوية مركزها التفاوضي وتأكيد دورها القيادي في الاقتصاد العالمي. لذا فإن هذه المفاوضات سوف تستمر الى أن تحقق الأهداف المرجوة من ورائها. وفوق كل ذلك يوجد ايمان راسخ لا يتزعزع على مستوى قيادات دول المجلس وعلى اعلى المستويات بالأهمية الاستراتيجية لهذا المجلس وبضرورة استمراره وتعزيز مسيرته والمحافظة عليه. وهنا تلتقي توجهات القادة مع تطلعات الشعوب وهذه ـ لعمري ـ هي مواصفات المشروع الناجح.سفير المملكة لدى البحرين