محمد الحرز
ظاهرة العودة إلى الدين في أوروبا أصبحت محل اهتمام الكثير من المفكرين والباحثين الفلاسفة واللاهوتيين الغربيين بالتحديد , والجميع يشير إلى هذه العودة ليس بطابعها الكنسي ,أو من خلال تعارضها المطلق مع العقلانية والعلم والموضوعية كما أقره الموروث الفكري لعصر الأنوار في عداء سافر لكل ما هو ديني, بسبب الإرث الدموي الذي خلفه في الذاكرة الصراع الديني في أوروبا القرون الوسطى, وما أدى إليه من تعصب وتطرف وأصولية متزمتة. لكن الاهتمام بها أو التفكير فيها يكمن عندهم « في حدود العقل وحده» حسب تعبير جاك دريدا على اعتبار أن مفهوم العقل ذاته يختلف من مفكر إلى آخر , ومن حقل دلالي معرفي إلى آخر. بينما يجدون مبرراتها ( أي العودة إلى ما هو ديني)- كما يقول جياني فاتيمو» في التهديد الذي تمثله بعض الأخطار الغامضة التي تظهر لنا كما لو كانت غير مسبوقة ولا مثيل لها في تاريخ الإنسانية . فمباشرة بعد الحرب العالمية الثانية بدأ الخوف من احتمال اندلاع حرب ذرية» بسبب انتشار أنواع الأسلحة المدمرة للحياة الإنسانية على هذا الكوكب دون رقيب أو حسيب, والخوف أيضا من الإمكانات الهائلة التي يقرها التطور في التلاعب بالهندسة الوراثية للإنسان. يضاف إلى ذلك خوف آخر لا يقل انتشارا « على الأقل في المجتمعات المتقدمة , وهو ذلك الذي يتمثل في فقدان معنى الوجود والإحساس بالملل العميق الذي يصاحب , على ما يبدو وبشكل لا مناص منه , هذا الإقبال الجنوني على الاستهلاك». لكن سؤال الدين عاد إلى الواجهة في الغرب من منطلق الجدل الذي دار بين أنصار مكتسبات الحداثة والقائلين بأن الحداثة مشروع لم يكتمل ( هابرماس, وقبله هوركهايمر ) , وبين أنصار المطالبين بتجاوزها إلى مرحلة ما بعد الحداثة الذين عملوا على تفكيك قوانين الحداثة وقيودها كالمركزية الأوروبية , والبرجوازية الرأسمالية رافضين لها , ومخلفين وراءهم فوضى عارمة من الشك واللامعنى,وتشتت النصوص والتيه وضياع أصل العالم من أمثال فوكو , ودريدا , وجان فرانسوا ليوتار. وبين هؤلاء وهؤلاء برزت أصوات لا تعارض مكتسبات عصر الأنوار ولا ترفضها كما يفعل فلاسفة الشك والارتياب , ولا تأخذها كعقيدة أيديولوجية مغلقة على نفسها, من أمثال هانز كونغ الذي يقول- كما يرويه هاشم صالح في كتابه مدخل إلى التنوير الأوروبي « أنه لا يريد بأي حال من الأحوال التنكر لمنجزات الحداثة كما يفعل البعض من المتهورين أو المتعصبين الرجعيين الحاقدين على الحداثة . ولكنه لا يستطيع أن يهمل بعد اليوم مشكلة الدين كما يفعل معظم مفكري الحداثة من هيدغر إلى بوبر إلى دريدا إلى فوكو إلى هابرماس نفسه, فالحداثة حلت مشكلة الدين عن طريق طرده من الساحة . وهذا حل سلبي لا يمكن أن يدوم إلى الأبد . فعاجلا أو آجلا ينبغي أن نعيد الدين إلى الساحة الأوروبية من جديد ليس على طريقة القرون الوسطى المتعصبة بالطبع , ولكن على طريقة ما بعد الحداثة , فالدين يستحق أن يحظى بالتحليل الجاد مثله في ذلك مثل السياسة والفن والمجتمع» وهو يؤكد على أن عودة الاعتبار إلى الدين بعدما ظل محتقرا من طرف مفكري الغرب هو الذي سيدشن عصر ما بعد الحداثة , وينقذ الحضارة الغربية من مأزقها الذي وصلت إليه. هذه الدعوة نجد صداها أيضا في كتاب « الأنوار التي تعمي « لريجيس دوبريه الصادر حديثا حيث كتب عنه الأسبوع الماضي ملخصا هاشم صالح في المنتدى الثقافي الذي يصدر كل أربعاء مع جريدة الشرق الأوسط. داعيا فيه إلى نبذ كل عقلانية « جافة ومسطحة تستبعد الدين كليا بحجة أنه ظلاميات ولا نريد أصولية متعصبة تكفر الآخرين وتدعو إلى ذبحهم». صحيح أن هناك من المفكرين من أهتم بمسألة الدين, وأفرد له مساحات من التفكير والتأمل. لكن بواعث الاهتمام وثيق الصلة بظهور الأصوليات والهويات المتطرفة في شتى بقاع العالم أكثر منها الإحساس بالحاجة إلى التهيؤ لبزوغ دين جديد : دين الروح الحق حسب تعبير أوجينيو ترياس. فدريدا - على سبيل المثال- عندما يتساءل في كتابه « الإيمان والمعرفة « لمَ عودة الدين؟ ولم يحدث للدين أن يعود ويباغت جميع معارفنا عن الإنسان والأرض والعالم وحتى عن فلسفة الدين ؟ فإنه يربط مظاهر هذه العودة بدوافع الانتقام ضد مقولة « موت الإله» التي دشنها نيتشة , وأراد الدين أن ينتقم لنفسه منها . ولكن هذه المرة في تحالف تام مع العلم وثورته التقنية وآلياته ووسائله في البث وفاعلية الاتصال « فخضع الدين لإفرازات العلم , كي يستطيع الإحاطة بعالم يتفجر ديموغرافيا يوما بعد يوم . ولم يعد بإمكان الدين أن يحصن نفسه بنفسه لأن مناعته لم تعد منه وفيه. وهذا مما جمع بين الدين والعلم برباط يصعب فكاكه. وكانت جدلية الدين- إزاء العلم الذي تخشى منه , والتي اضطرت للجوء إليه- سببا من أسباب محنة الحركات الأصولية والمحافظة والتقليدية والتي هبت دفاعا عن مناعتها وحصانتها, بعد أن حمل إليها العلم الكثير من أساليب النقد والجدل والتشكيك.» ويرى أجلى صور هذه العودة تتجلى في مفهوم « الصفح « المنزوع من التراث الإبراهيمي الذي أخذ يتغلغل في النظام القضائي والقانوني والتشريعي في العلاقات الدولية , وكأن الإنسانية تريد أن تتطهر وتتوب من الجرائم التي ارتكبت ضد الإنسانية نفسها أبان خروج أوروبا من الحرب العالمية الأولى , وما جرى خلالها وبعدها من إبادات جماعية ومآس وعذابات وتطهير عرقي طالت أغلب شعوب العالم التي عانت ويلات الاحتلال والاستعمار, حيث الطلب المتزايد على الصفح - كما يلاحظ دريدا- لا يخص الأفراد فقط , وإنما تجاوزها إلى الهيئات والطوائف والمؤسسات والملوك ورؤساء الدول. والمثير كما يقول « أنهم يطلبونه بلغة إبراهيمية ( يشير هنا إلى الأديان التوحيدية الثلاثة) « حتى الذين لا يعتنقونها في مجتمعاتهم مثل كوريا واليابان, اللتين خاضتا حربا طاحنة , وعلى إثرها قدمت اليابان اعتذارها العلني لكوريا على لسان رئيسها. هذه اللغة أضحت اللهجة الكونية للقانون والسياسة والاقتصاد أو الديبلوماسية , وهي إحدى سياسات الذاكرة للعودة إلى الماضي بقوة كما يحللها دريدا . لكن مثل هذه المقاربات تفسر الدين من الخارج كما يؤكد على ذلك ترياس « يتم الانطلاق من المقدمة , العقلانية والمتنورة- التي تمتد من تراث هيجل وماركس وفيورباخ ونتيشة وفرويد وهيدجر- , القائلة بأن الدين انطلاقا منه هو نفسه , هو وهم , إيديولوجية , مفهوم غير مطابق , مرض , وعي زائف.» نقول: لا يمكن العثور على حقيقته ومعناه في أفق التجربة وفي مجال اللعبة اللسانية أو البراغماتية التي تظهر فيها . يفترض حقيقته ومعناه يوجدان في الوراء , دائما في الوراء في جوهر لا وعي , تحتي , على الفيلسوف , العالم أو المحلل أن يوضحوه». هذا المنظور الإشكالي في فهم الدين يطرحه الغرب نفسه على فكره ومقولاته الأساسية من العمق , ليقوم بتأزيم فكره حد الكسر. بالمقابل الأزمة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية لا تكمن في الابتعاد عن الدين ثم مطالبة العودة إليه , لكن الأزمة تكمن في سوء فهم وتأويل لمفاهيم أساسية في حياتنا من قبيل مفهوم الاعتقاد والإيمان والحرية الدينية- ولنا وقفة وتحليل معها في المقالة القادمة- ولكن ألا ينبغي أن نلتقي نحن والغرب في هم مشترك يمس الإنسانية جمعاء تحت تأثير ما يسمى بالهوية الإنسانية دون أن يفقد كل واحد خصوصيته؟! قد يكون حلما يصعب تحقيقه في الظرف الراهن , لكنه بالتأكيد حلم مشروع وإلا لكان على البشرية أن تتنازل عن إنسانيتها.