محمد الحرز

محمد الحرز

(1) يفتحون لك أبوابهم ؛ كي تخرج من قبضة أحلامهم القاسية , لكنك تجفل , ليس بسبب ما تظنه انكسارا في الخطوة , أو يئسا يدافع عن نفسه بضراوة أمام كتيبة الرغبات , إنما كونك لم تهيئ نفسك كي تصبح جاسوسا محترفا ضد جميع الكتب التي أمامك على الرف , هو ما يشغل بالك على الإطلاق .. تفكر: الليل لا يخفي ظلك , لذلك ستدعه يسبقك إلى الشارع حتى يجلب لك نعاسا رخيصا من أحد المارة .. لكنك تعدل عنها إلى فكرة أخرى , وهكذا لا تستقر إلا على حواف الأصوات التي تلطخ ثيابك مثل بقع زيت داكنة .. لا تخاف كثيرا من أوهامك وقد هرمت , وأنت لم تبلغ بعد سن الأربعين ... تقول لزوجتك : سأشتري ثلاجة أخرى اليوم , أخاف أن تهرم ذكرياتي أيضا بسبب الحر حين تسقط من سلم الأحاديث على الأرض , ولا تجيد القفز . وبابتسامة ساخرة تقول لك : هناك الكثير من الأحلام البائتة المتروكة على الأرفف تحتاج إلى فرن آخر لحرقها , تقول ذلك وهي تدير مفتاح التلفاز على دعاية قناة mbc « حقق حلمك» . ولأنك لا تتذكر ما تقوله لأصدقائك عن حياتك بالأمس , ولا حتى عن ملامح من بعض الكلمات , تقدم لنفسك الأعذار , حتى كأنك لا تريد أن تتراجع عن قناعتك فيما تقوله يوميا لأبيك عن سر الرجال المجهولين الذين يجمعون ما تفتت من ذاكرة العالم على بابك .. الهذيان هو الاسم المستعار الذي تدخل به المنزل , ولكونك لا تجلس على الكنبة قبله يتأمل طويلا اللهاث الذي تدوس عليه كلما قطفت ضحكات أطفالك من الشفاه .. لا تدير له بالا كما ينبغي أن يكون , ولا تفسح له مجالا في الكلام إلا وقت الضرورة حين يرن الهاتف , ليقول لك أحدهم , وبنبرة آمرة : لا تدع بقعة الضوء التي تتدحرج من عينيك تبقع السجادة والجدران والنوافذ وحبل الغسيل . كان عليه أن يقول أيضا والسلالم , لأن من عاداتي النادرة إزاحة الغبار عنها بنظرة واحدة . فكرة قديمة عندك تلك التي تسميها الاسترسال في الاحتمالات , أدنى صعوبة فيها الاختيار , وأعلاها التجاوز , حيث الهواء الذي يرتفع وينخفض في المسافة التي ما بينهما , هو مجموع الرسائل المتبادلة بين عشبة وغيمة , كنت تقول دائما إنك قد أهملتهما في طفولتك العابرة في ممرات ضيقة .. أرأيت ! أنت ترى الأشياء هكذا , لا تضع إطارا على الصورة , ولا زجاجا لماعا فوق التفاهة , ولا ماء فوق عشقك ؛ كي يغتسل من شروده .. ولا تذهب في نزهة طويلة مع امرأة لا ترمي هاويتك في الجبّ .. غوايتك الوحيدة هم الغرباء , ولم تقل لي يوما من هم بالتحديد .. لكني كنت أخمن دائما ؛ كي ألقن هؤلاء درسا في التعامل مع المرض بشكل لائق . أخمن أنك لن تمضي إلى حتفك قبل أن تغادر غوايتك مثل موتى يتنزهون في شارع .. بعدها سيلفك الغموض , ومثل مشرد ستتلقف أسرارهم , ولن تجد مخبأ واحدا يسعهم جميعا .. ولأنك تدرك المغزى من ذلك , ستدع الحكايات تكبر كما هي تريد. (2)الكتابة لا تلغي الآخر في ذواتنا , بل توسع له الطريق , تريه منعطفاته وتعرجاته , وتزيح من بين أقدامه الأحجار التي تنتصب في وسطه مثل لص لا يسرق ما يحمله العابرون من مؤن ومتاع , لكنه يخطف الأفكار التي دربوها جيدا على الإنصات إلى الأصوات التي تملأ الأفق وكذلك اللغة حين تحك الطبيعة جلدها بأظافرها الجميلة .. وكأنهم بعد ذلك يمضون ناقصين من وسواس اسمه الشك نحو الصعود إلى الجبل وحدهم .. والصعود إلى أعلى جبل المعرفة دون هذا الاسم يتطلب جرأة كبيرة في التخلي عن جزء من ذاتك .. هذا الشك الذي يقودنا في أغلب الأحيان إلى الهاوية لابد له أن يكبر مع الكلمات التي نملأ بها السلال التي فوق ظهورنا .. ربما يمرض من تعب الطريق , ويصيبه الزكام المعدي من فرط التصاقه بالكلمة التي تحمل روح اليقين , لكنه لا ييأس من الشفاء ما دمنا نحقن شراييننا بمصل الرغبات التي لا تكف عن التساؤل والدهشة والانعتاق والمغامرة , وحتى لا تبقى جرثومة واحدة تتحجر في العظام نتلقى الألم بجرعات كبيرة .. وعندما نتبدد في الشهقات تتكدس أنفاسنا عند كل باب يكمن خلفه قلق خفيف ينتظر دوره كي ينمو في حناجرنا كلما حركنا الأبواب قليلا إلى الخلف .. إذًا, أينبغي علينا الاستعجال في العبور أم التريث حتى يتحول الجلد إلى طبل من الصفيح ؟! ربما تسبقه العاصفة إلى الفخ , لأن استئصال الأورام من الذاكرة لا يحتاج إلى مشرط معقم , إنما إلى العظم الذي نزعناه من صدورنا , وربيناه في أيدينا حتى أصبح متصالبا وحادا مثل دبوس , وحينما يحنّ إلى عائلته مثل حمامة أضاعت سربها , نتوقف قليلا في الممشى , كي نتحسس أضلاعنا واحدا بعد واحد , ثم نقول : ليس لمعان السوط ولا اللجام ما رأيناه في أحلامنا , إنه لمعان الحدقات الذي لا يفزع من النظر إلى الضحايا , ولا إلى الموتى حين يمسدون رموشهم الطويلة تحت ضوء الشمس مثل حبل الغسيل .. اللمعان الذي يخطف حياة كاملة مثل عروس ليلة زفافها , وليس ثمة من علامة سوى اللعاب الذي يسيل مثل خيط رقيق لا يُلمح على التراب , وكذلك سوى أوراق الأشجار الكبيرة التي لفظها البرد , فسقطت هادئة على الحجر في أسفل الوادي .. وكنا رغم ذلك نقنع أنفسنا بأن وجع الأسنان لا يفضي بنا إلى خلعها , وأن دمنا الذي ينام كثيرا ليس بالضرورة سببه الضجر من الحياة .. كنا نقنع أنفسنا بأشياء كثيرة , لكنّ الآن حينما نلتفت إلى الخلف لا نرى الأوراق الكبيرة , ولا الحجر في مكانها , لكننا نسمع احتكاكها كلما عمدنا إلى قص الأطراف الزائدة من كلماتنا التي لا تتألم ولا تنزف . العالم أيضا كلمات , لا تدعوا تلك الأطراف الزائدة تخدعكم , لن تحضنوا نخيلكم إذا بلغتم الوادي دون صمت يرن في أطرافكم .. لا تسألوا الحنين لماذا ؟ هو وجهة آبائكم الذين كسروا جرارهم تاركين رطوبة الحياة تسيل مثل مجرٍ من الماء , مغبشة زجاج العالم .. مجرد ذكرى ما سيحدث لكم الآن وغدا , فلا تثقبوا الخريطة بأيديكم , ولا تجمعوا الحطب لإحراق السفن , عليكم أن تتأكدوا من أن الشمس معكم , وأنها لن تخونكم , وأنها لن تنحبس في السماء مثلما فعلت في تاريخكم الغابر .