محمد الحرز

محمد الحرز

نظرا للأهمية القصوى التي توليها الدراسات التاريخية المقارنة في حقل التلاقح اللغوي الاصطلاحي والثقافي بين الأمم والشعوب, يتساءل ضمن هذا الإطار المؤرخ وجيه كوثراني, في كتابه الصادر حديثا من دار النهار في بيروت ( بين فقه الإصلاح الشيعي وولاية الفقيه - الدولة والمواطن):متى شهدت الثقافة العربية استقبالا واستخداما لمفاهيم الدولة الحديثة والمواطنة بمعناها الحديث؟ وكيف جرى فهم المواطنة بين الناخب ونائبه المفترض؟ وقبل عرض إجابته, ينبغي القول أن مفهوم المواطنة بإرثه اللاتيني هو غيره الذي ارتبط بالتجربة السياسية للدولة الغربية الحديثة. مسار المصطلح التاريخي غني ومتراكم ومتحول, ودلالاته اتسعت باتساع التجربة الحضارية, بينما ظل في التراث العربي الإسلامي مرتبطا بما ورد في القواميس, ومن جذره اللغوي في لسان العرب الذي يشتق من موطن بمعنى النشأة والسكن في المكان. وذلك في إشارة ودلالة إلى ركود المصطلح, وانقطاع نموه داخل التجربة التاريخية السياسية العربية. ويبرر المؤرخ طرحه السؤال كون انتقال المصطلحات بدلالاتها المتعددة من حضارة إلى أخرى يفترض فيه أن يؤدي إلى الإثراء في المصطلح ذاته واكتسابه الوحدة والانسجام رغم اختلاف المنظور الثقافي لكل حضارة. لكن على الصعيد العربي الإسلامي أدى فيما أدى إليه إلى الالتباس في ظل مسار تاريخي متعرج « نقرأه في واقع تلقي المصطلحات الوافدة وطريقة اقتباسها وأشكال استيعابها والتعبير عنه في الثقافة المحلية». انطلاقا من هذا المبرر يجيب عن السؤال السابق بعد أن يقسم إجابته إلى الجانب النظري, والجانب التطبيقي. «نظريا - يقول - وفي إطار التثاقف الذي حصل على صعيد النخب العربية النهضوية في القرن التاسع عشر, نشهد اقتباسا بالعربية لمفهوم المواطنة... ونقرأ هذا الاقتباس للمرة الأولى عند مفكّرين إصلاحيين هما: رفاعة رافع الطهطاوي وبطرس البستاني». لكن المعول حسبما يرى يكون في حيز التطبيق الذي جاء شديد الالتباس في فهم دلالات هذا المصطلح التشريعية والقانونية, ويمكن ملاحظة ذلك من خلال «العودة إلى تجربة التنظيمات العثمانية أولا, ثم تجربة الدستور العثماني في لحظتين تاريخيتين 1876- 1908 «. إن تطبيق الدستور في المشرق العربي كشف عن وضعية استثنائية, فالثقافة التي كانت تحكم هذا المشرق من العمق « كانت وما زالت تعبر عن نفسها في تراكيب وبنى الدولة السلطانية ومجتمعاتها وآليات حكمها في التاريخ العربي الإسلامي. فالعلاقة بين الحاكم والمجتمع هي علاقة سلطان/ رعية. وهي تمر عبر وسائط من السلطات الأهلية والمحلية الموزعة على عصبيات قبلية وعشائرية ومللية ومذهبية وطرق من الصوفية, بل أيضا على تنظيمات حرفية لها نقباؤها ومشايخها. على هذا النمط من الاجتماع السياسي الأهلي وقع تطبيق الدستور العثماني كما وقعت أيضا تطبيقات دساتير العشرينات من القرن العشرين, في كل من العراق وسوريا ولبنان ومصر أيضا « ولكي يدلل على الوضعية الالتباسية الاستثنائية تلك, يستشهد بنص انطباعي لسليمان البستاني الذي كان نائبا عن ولاية بيروت» حول كيف فهمت الرعية وكيف فهم النائب الذي يفترض أن يمثل مواطنين صيغة التمثيل. يقول في كتابه عبرة وذكرى: « لقد أيد لنا الاختبار باجتماع المجلس الأول سنة 1876 أن أبناء كل ولاية كانوا يظنون مبعوثهم منتدبا عن منتخبيه لا غير, ومأمورا بإنفاذ جميع رغائبهم وإبلاغ تشكيلات أفرادهم مهما كانت حتى لقد كانت الرسائل في بعض الولايات تنهمر كالمطر على رؤوس مبعوثيها حاملة من المطالب ما لو طرحه المبعوث للبحث لما ناله إلا هزء رفاقه أجمعين, فمن طالبٍ عزل خصم له وإحالة مأمورية إليه. ومن ملتمس رتبة ونيشانا. ومن راغب في إصدار أمر لوالٍ بإلقاء نظرة عليه. حتى كان من جملة تلك المطالب أن مكاريا سرقت دابته فكتب إلى منتدب ولايته أن يأمر بإعادتها إليه». هذا النموذج هو واحد من النماذج العديدة التي تدل دلالة قاطعة كما يذهب إلى ذلك المؤلف إلى وجود مفارقات وتناقضات أدت بإزاء عوامل أخرى, إلى فشل التأسيس لمشروع المواطنة وقيام الدولة الحديثة. وإذا كان المؤلف يرى خللا في التطبيق للدستور بحكم الوضع التاريخي الاجتماعي للمجتمعات العربية, فإن الإيديولوجيات السياسية العربية التي انتعشت بعد التحرر من الاستعمار وسعت من هذا الخلل, وكرست قطيعة مع التنظيمات الإصلاحية ما زلنا نعيش آثارها السلبية حتى الآن. هذه القطيعة يشير إليها المؤلف هنا بصورة أخرى إلى معطيين تاريخيين غيبا من الخطاب التاريخي العربي المستجد» وذلك بفعل هيمنة الإيديولوجيات التي تمثلت بإيديولوجيا العروبة السياسية (القومية العربية), وبالإيديولوجيات الوطنية القطرية التي تمثلت صيغة (الدولة القومية). وكلا الإيديولوجيتين قطعا قطعا عدائيا مع العثمانية الإصلاحية - الأم, وأنتجا خطابا تاريخيا إيديولوجيا لا يزال يفعل فعله المستلب في الوعي التاريخي العربي» أما هذان المعطيان هما أولا النخب المثقفة الدستورية التي ناضلت وضحت من أجل قيام دستور وبرلمانات تمثيلية ودولة حديثة على طول البلاد وعرضها. هؤلاء - مثل ساطع الحصري - جرى تناسي موروثهم ودعواتهم ومنجزاتهم, وإن جرى تداولهم فإنه يتم ضمن إطار منظور الإيديولوجيتين السابقتين, وتحت تأثيرهما القوي على عامة الجماهير. أما المعطى الآخر, فالمؤلف يرجعه إلى « أن المجتمعات العربية بتسمياتها القطرية ظلت تحمل سمات الثقافة السياسية الأهلية السائدة: سمات كون المجتمع رعية مؤلف من عشائر وقبائل وأسر وعائلات وطوائف دينية ومذاهب... أما آلية العمل السياسي الجديد فكانت تذهب في الغالب باتجاه اختراق هذه البنى الاجتماعية والثقافية القديمة للمؤسسات الجديدة للدولة والمجتمع من أحزاب وجمعيات وإدارة وجيش, لتشكل أنماطا من العصبيات أو التكتلات الأهلية التي تعيد إنتاج صيغة الدولة / العصبية أو الدولة السلطانية, حيث يرتكز أهل الدولة الجديدة ( الدولة الحادثة بتعبير ابن خلدون) إلى علاقات الولاء والاستتباع واللجوء وتوزيع الخدمات والمنافع ( بتعبير ابن خلدون أيضا: دولة السوق ودولة الجباية وبتعبير اليوم الدولة الريعية)». ويرى المؤلف أن فشل الإصلاح السياسي في التجربة اللبنانية ما قبل اتفاق الطائف وما بعده يعود في جزء كبير منه إلى المعطى السابق بدرجة كبيرة. الكتاب في نظري يستحق المراجعة التفصيلية أكثر . اكتفينا هنا بعرض بعض الأفكار دون الدخول في جدل مع فرضيات المؤلف الذي يقيمها حول رؤيته لفشل المشاريع السياسية لبناء دولة حديثة. ورغم أن الكثير من علماء الاجتماع السياسي يحيلون الفشل في مجمله إلى فشل على مستوى آخر, هو فشل مشروع الحداثة العربية على جميع الصعد والمستويات, باحثين تارة عن أزمة الخطابات الدينية في علاقتها الملتبسة مع الأحزاب والتنظيمات الإسلامية التي هي وثيقة الصلة بها وببرامجها المعتمدة. وتارة أخرى عن أزمة التحالفات الإيديولوجية في الوطن العربي مع بقايا السلوك الاستعماري الغربي. لكن ما ينبهنا الكتاب إليه هو أن تحليل المؤرخ الذي يرتكز على الحدث والوثيقة هما مطلبان أكثر ضرورة في بعض الأحيان من الركون مسبقا إلى فرضيات يفرضها على وعي الباحث مشكلات الحاضر فقط من قبيل أزمة الحداثة. من هذا المنطلق تكمن أهمية الكتاب.