محمد الحرز

محمد الحرز

كان على الكتاب والمثقفين الذين رفضوا جملة وتفصيلا الخطابات النقدية الغربية حول الإسلام, تارة باسم الخصوصية التاريخية , وتارة أخرى بذريعة العداء والحقد الذي يكنه الغرب المسيحي المملوءة به ذاكرته التاريخية ضد الحضارة الإسلامية ورموزها المقدسة. كان عليهم أن يتنبهوا للمفارقة والتناقض الذي أوقعوا أنفسهم فيه, وأثر بدرجة متباينة على سلوكهم الثقافي ونظرتهم إلى العالم , بحيث تحول هذا الرفض في كتاباتهم إلى عقيدة طاردة سببت الكثير من الأزمات والإشكاليات التي ما زالت تعاني منها الأمة الإسلامية في حياتها المعاصرة. هذه المفارقة تتضح عندما نكون مقتنعين تماما بشمولية القيم التي جاء بها الإسلام وعالميتها, وأن الله سبحانه وتعالى في خطابه العزيز أرسلها للعالم كافة, ولم يقتصرها على فئة بشرية دون أخرى. لذلك الآخر غير المسلم معني بهذه القيم بالقدر الذي معني فيه المسلم نفسه, وذلك في الشرح والتفسير والفهم والاعتراض والنقد. فكما للباحث المسلم الحق في المقاربة والنقد كذلك للباحث غير المسلم الحق في ذلك. لكننا نمتنع من رؤية هذا النقد انطلاقا من النظرة الشمولية للقيم التي يطرحها القرآن الكريم, وتظل النظرة - بالتالي - مبتسرة , غير قادرة على توثيق الصلة بين شمولية القيم ودوافع النقد عند الآخر ومبرراته. غير مستعدة لتقبل الحوار والانفتاح على أقصى درجات الاختلاف. البعض يُلقي باللائمة على جملة من الأسباب التاريخية والدينية والاجتماعية التي أدت إلى امتناع تطوير مثل هذه النظرة في مجال الوعي التاريخي الإسلامي, من أهمها في العصر الحديث الاستعمار الغربي والخطابات الاستشراقية التي نشأت في ظله, وأغلب الأحيان تحت رعايته ورغباته. لكن البعض الآخر يضع هذا الامتناع ضمن أسباب التحدي الكبير الذي تمثله الحداثة بالنسبة للمجتمعات الإسلامية , والانعكاسات السلبية التي يفرضها هذا التحدي على وعي الفرد المسلم , في خلخلة هويته وقناعاته ومسلماته. مهما اختلفت الأسباب وتعددت عوامل تكوينها عند هذا أو ذاك من الباحثين المهتمين , إلا أن من المؤكد الذي لا يختلف عليه اثنان هو تسارع وتيرة التنافر والعنف وانتشار السلفية المتشددة في الثقافة الإسلامية كظاهرة يهتم بها العالم بوصفها القضية المركزية التي تشغل الرأي العام الغربي والعالمي بعد آثارها المدمرة في الحادي عشر من سبتمبر. وكون السلفية الإسلامية المتشددة تتحول إلى رأي عام عالمي, هذا يؤكد من جهة , وكما قلنا سابقا, بالصلة الوثيقة بين عالمية القيم الإسلامية وإشكالية تلقيها عند الآخر غير المسلم, هذه الصلة محكومة بالتقاطع , سواء على مستوى الصراع الحضاري كما يروج له البعض , أو على مستوى الحوار والتقاء المصالح كما يتبناها البعض الآخر. ومن جهة أخرى على خطورة تبني مسألة أصل القيم والشروع في الدفاع عنها إزاء الآخر واستخدام الوسائل العنفية لأجل ذلك, بينما يشهد العالم في ظل ثقافة العولمة تداخل الثقافات وقيمها بين المجتمعات المتباينة أشد التباين, وتلاشي العوائق التي تجعل في الغالب قيم هذا المجتمع غريبة ومستهجنة على ذاك المجتمع. تقلص المسافات بين هذه المجتمعات هو الرافعة التي تسعى من خلالها جميع الخطابات الفكرية الواعية في العالم إلى تأسيس منظومة أخلاقية عالمية, وبغض النظر عن الصراع السياسي الذي يدور في الساحة الدولية حول امتلاك أكبر قدر ممكن من التأثير على هذه المنظومة, وبشتى الوسائل والطرق. غير أن من المهم إدراك أن التمسك بأصل القيم كما في ذهن القاعدة وذهن الإدارة الأمريكية هو لعبة استدراج سياسي - من بين لعبه الكثيرة - يتبعها الثاني ضد الأول لإزاحة أي تأثير خارجي على هذه المنظومة سواه. بالتأكيد هناك مستويات معقدة من الصراع السياسي الذي يدور رحاه في شتى أرجاء العالم, لكننا نقصد من هذا الكلام إلى إشارة مهمة, وهي الفشل الذريع الذي لحق المشاريع والخطابات الإسلامية أمام تحديات الحداثة, بحيث لم يكن أمامها سوى الاحتماء بالأصل والاكتفاء بصورته المتخشبة في الأذهان, وهذا ما لا يتلاءم ويتوافق مع متطلبات الحداثة الاجتماعية والثقافية والسياسية , فقد رفضه الغرب فكريا , واستغله سياسيا , واستعداه جماهيريا. في دراسته القيمة « الحداثة البشعة والبشاعة الحديثة» يؤكد الأستاذ في جامعة كاليفورنيا خالد أبو الفضل على أن مرد هذا الفشل يعود إلى فقدان الإسلام إلى أهم ركائزه التي لم يفقدها في الماضي على الإطلاق « إذ يوجد فراغ عميق على صعيد المرجعية الدينية , وليس واضحا من المتكلم باسم الدين وكيف «. وفي معرض تحليله لهذه المسألة يدلل على أن الصفات التي كانت تتميز بها مؤسسات الشريعة الإسلامية في الماضي من قبيل اللامركزية , والترحيب باختلاف الآراء وتنوع مدارس الفكر. يقول» لم تكن الشريعة الإسلامية مرتبطة بدولة مركزية أو منبثقة عنها , بل كانت تصاغ من قبل قضاة وفقهاء خلال عملية هادئة بناءة مرنة ديالكتيكية, شبيهة نوعا ما بالنظام التشريعي العادي» ونتج عن هذا النظام مؤسسات شرعية شبه مستقلة , تقوم بتأهيل ورعاية الفقهاء بحيث يصبحون مهيأين لتسلم المرجعية الدينية الذين يحق لهم وحدهم التكلم في الفتوى فيما يخص الشريعة الإلهية , وإن اختلفوا فيما بينهم حولها. « وكانت هذه المؤسسات مدعومة بنظام متطور من الأوقاف , سواء الوقف السني أو الشيعي , مما سمح للعلماء المسلمين بتكوين تراث ثقافي متميز بغناه. أما حفظة هذا التراث , وهم الفقهاء فشرعيتهم تنبع إلى حد كبير من استقلاليتهم شبه الكاملة عن النظام السياسي, ومن وظيفتهم المزدوجة , بيان مصالح الدولة لجمهور المؤمنين ومصالح هذا الجمهور للدولة. لكن معظم هذه الأوضاع تغيرت بشكل جذري في العصر الحديث, وكان لهذا التغير أهميته الكبرى , إذ تلاشت المؤسسات التقليدية التي كانت تدعم الخطاب الفقهي كما انهارت المقولات العقائدية والأسس الأخلاقية التي كانت تنظم الشريعة الإسلامية وعلم الأصول الإسلامي تاركة فراغا ابيستمولوجيا لم يحل حتى الآن « . ويتفق الباحث مع آخرين على أن جميع الحكومات التي استولت على الحكم في البلاد العربية كانت مركزية ومتسلطة بحيث قامت بتأميم مؤسسات التعليم الديني وبوضع الأوقاف تحت سيطرة الدولة . أما باحث آخر مثل رضوان السيد فهو يفصل أكثر في هذه النقطة لأهميتها , ويشير إلى أنه منذ أواسط القرن التاسع عشر ظهرت بوادر قوانين مدنية للتجارة والأرض والعقار , ثم جاءت محاكم مدنية لم تترك للنظام القضائي الإسلامي الموروث غير مجال الأحوال الشخصية . وقد جاء النموذج الكمالي في تركيا من جهة, وضآلة مقاومته من قبل مشائخ اسطانبول من جهة أخرى شجع كثيرا على تهميش المؤسسة الدينية بحجة رجعيتها وعدم فائدتها . ويقول: « لقد اختلفت التجربة بين النظام والمؤسسة الدينية من بلد عربي وإسلامي إلى آخر بحسب قدرة النظام أو نجاحه في السيطرة على المؤسسة أو عدم قدرته, ولذلك يمكن التمييز بين ثلاثة أنماط من تعامل الدولة مع المؤسسة الدينية في العقود الخمسة الماضية, النمط الاول نمط الإلغاء , الثاني نمط الاستتباع , الثالث نمط الحياد الإيجابي» لنا وقفة أخرى مع هذه الأنماط والإشكالية المنهجية التي يطرحها مثل هذا التصنيف في علاقته مع النظرة إلى التاريخ الإسلامي.