محمد الحرز

محمد الحرز

الكتابة الشعرية الجديدة التي تشكلت في المملكة منذ نهاية عقد التسعينات تميزت بكونها تجربة نمت في محيط ثقافي أشبه ما يكون بالجديد على الثقافة المحلية . هذا المحيط هو مجموع الثقافة التي تشكلت من خلال عالم النت الافتراضي , وما أفرزه هذا العالم من شبكة واسعة من العلاقات الإبداعية , ومن تداعيات فكرية وثقافية ونفسية على المبدع نفسه , أثرت بصورة أو بأخرى أولا على شكل الوعي الشعري , وثانيا على النص الشعري نفسه من جهة عدم ارتباطه بآليات النشر والخضوع لمعاييرها السلطوية , وما يتطلبه هذا الخضوع من تنازلات تمس في أغلب الأحيان القناعات الشعرية , مقابل البحث عن مكانة في سياق التجارب الأخرى كما كان عليه الحال عند الشعراء في فترة السبعينات والثمانينات والتسعينات . لكن هؤلاء الشعراء الذين تمايزوا عن غيرهم بهذا المحيط وجدوا أنفسهم قادرين على إيصال قصائدهم , وبسهولة ويسر , إلى قراء من مختلف أصقاع العالم , منهم المختلف , ومنهم المؤتلف . هذا الوضع الفريد بالتأكيد يعزز الرغبة في الاندفاعة نحو الكتابة الشعرية دون الإمساك بزمام الوعي بخصائص هذه الكتابة الفنية منها والأسلوبية من جهة , ويضفي عليها من جهة أخرى الإحساس بامتلاك ناصية الشعر دون اختبار الذات وموضعها موضع التأمل والقلق والتجربة الحياتية التي يتطلبها مفاتيح الوعي الشعري. صحيح أن جميع الشعراء استفادوا من هذه التقنية لإيصال أصواتهم, لكنهم لم يكونوا بلا ذاكرة شعرية عندما ركبوا هذه الموجة. أي أن تجاربهم قد تشكلت واكتملت , وأصبح كل شاعر منهم يمتلك صوته الخاص الذي اكتسبه من محيط ثقافي مختلف . أما هؤلاء الشعراء الشباب فإن مرجعياتهم الفكرية والحياتية والشعرية لها القابلية على امتصاص كل ما يتعالق في أفقها الإبداعي من جديد وطارئ, خصوصا إذا ما أدركنا أن هذا الجديد والطارئ لا تصل إليه يد الرقيب , ولا تقمعه الذهنية الاستبدادية ذات الحدود الضيقة. وهذه في تصوري إحدى أهم السمات التي يمكن تسميتها بالرافد النفسي الذي يغذي النصوص الشعرية عند هؤلاء الشباب , ويعطيها صفة الاشتراك في طبيعة واحدة , ربما تكون هي من الخصائص الثقافية التي تميز الكتابة الشعرية الجديدة في مشهدنا الثقافي المحلي, وكذلك المشهد العربي أيضا. لكن على الرغم من هذا المناخ المشترك الذي يجعل من الممارسة الإبداعية وكأنها تتدفق من مصب واحد , إلاّ أنها في الكثير من تجاربها - كما سنرى لا حقا- تذهب إلى التشظي بحيث يصعب على المتتبع لها أن يكشف عن مرجعية شعرية واحدة تنطوي تحتها مثل هذه التجارب , عكس ما رأيناه في تجارب بعض شعراء التسعينات التي كان أغلبها يمارس الإنتاج الشعري ضمن حدود مرجعية شعرية تكاد تكون شبه مسيطرة على طبيعة تصوراتهم للشعر ووظيفته في علاقته بالإنسان والحياة وأشياء العالم , ولا يعني هذا الكلام أن التشابه يصل حد التشابه البنيوي أو العضوي , بالتأكيد مثل هذه الحالات لا تنطبق لا من قريب أو بعيد على التجارب الشعرية مهما قيل أنها نمطية أو مستنسخة من غيرها , أو من تجارب أخرى . تعدد المرجعيات هنا لا يعني بالضرورة صراع وعي شعري ضد آخر , ولا حساسية شعرية ضد أخرى , لكنها في مرحلة التجارب الحالية تعني التجريب فقط بسبب الخيارات المتاحة أمام الشاعر وسهولة الوصول إليها بفضل التقنيات الحديثة في التواصل الثقافي , هذه الخيارات ليست سوى المشهد الشعري في الوطن العربي وكذلك العالمي, وما يحملانه من تنوع شديد ومتناقض ومتنافر في فهم الشعر ووظيفته , وبالتالي في ممارسته سواء على مستوى الوعي أو اللغة . إزاء هذه الوضعية لا يمكن للشاعر أن يحسم خياراته بسهولة , وبالتالي ملامح شخصيته الشعرية لا يمكن أن تتكون إلا إذا وصل إلى قناعة تنهض كنواة صلبة في تشكيل رؤيته للشعر ووعيه به , وهذا لا يتأتى في تصوري إلا من خلال تجربة حياتية تضعه أمام ذاته وأمام اللغة والمخيلة على حد سواء . وهذا ما لم يتشكل بعد في التجارب الحالية ليس بسبب عوامل ذاتية ترجع إلى فنية التجارب ذاتها , ولكن بسبب عوامل موضوعية ينتجها السياق الثقافي الذي يؤثر على وعي هؤلاء الشعري . ولسنا هنا بصدد الحديث عن مجمل هذه العوامل. لكن الذي يهمنا في الأمر هو مقدار الاختلافات الثقافية والاجتماعية التي تضع التجارب الشعرية الحالية في سياق متمايز عن التجارب السابقة , لأن الكشف عن مثل هذه الاختلافات تفضي بنا إلى الكشف عن التصورات الأولية التي تضع الوعي الشعري على العتبة . هذا التمايز بالتأكيد هو وثيق الصلة بالتحولات السريعة التي طالت جميع مناشط حياة الفرد والمجتمع في المملكة من جهة , وطالت بنية التفكير ولو جزئيا لجيل من الشعراء لا زال يعيش في قلب هذه التحولات المتلاحقة من جهة أخرى , يضاف إلى ذلك كما قلنا آلية التواصل المتطورة والتي أصبحت جزءا من العمل الثقافي بوجه عام .إن قراءة هذه الاختلافات بتفاصيلها الدقيقة من المقدمات الضرورية لفهم ما يكمن خلف هشاشة الوعي الشعري من أزمات .لكننا بالمقابل أردنا أن نبين من خلال سرد ملامحها العامة مدى أهميتها في تشكيل وبلورة سمات معينة للشعرية على حساب سمات أخرى تخضع بدرجة أو بأخرى لشروطها ومؤثراتها من العمق. انطلاقا من هذه القناعة , وكذلك مما سبق قوله, يبدو لي ضرورة خوض تجربة الاقتراب من بعض التجارب الشعرية الراهنة التي كان لها إنتاج مطبوع في الساحة , وذلك للوقوف على التجربة من منطلق الكشف عن مكونات الوعي الشعري وتصوراته الراسخة في ذهن المبدع , وأثر هذه المكونات على الرؤيا والممارسة النصية لدى الشاعر. هذا المقترح من الرؤية في معالجة النصوص الإبداعية المحلية يحمل في داخله بذورا تأسيسية لإعادة الصلة والاعتبار للمفهوم الشعري الذي لا يقف عند حدود جماليات اللغة وبلاغتها التقليدية, ولا عند حدود وظيفته النفعية في الثقافة السائدة , وإنما للمفهوم الذي يتجاوز كل تعريف يحصره في تقاسيم وتصانيف لا تمت إلى جوهر الشعر بصلة , للمفهوم الحدسي الذي يعلي من شأن عتمة اللاوعي على ضوء الوعي لأنها هي التي تسيج ثقافتنا من العمق , وترسم له طريقه نحو الحياة. عندما سئل أحد الشعراء كيف تعرف الشعر بصورة نهائية؟ «قال : لكونه مرتبطا بما هو أشد جوهرية في الإنسان , وخصوصا بانبثاقات وجوده الخاص في كيانه , أود أن أعرفه بأنه كلام تحذيري . فهو يحذر الإنسان مما هو عليه ومما ينتظره دون شك . إنه شكل إنذاري للإنسان ضمن تجديد الإعلان الذي يُقدم إليه ويقدمه عن نفسه , إنذار بضرورة إعطاء معنى لحياته وفك الرموز الغامضة التي تصاغ بها هذه الحياة في داخله ومن حوله.» لكن هذا الطموح في استخلاص مثل هذا المفهوم لأجل المقاربة النقدية هل يمكنها أن تستقيم خصوصا إذا أدركنا صعوبة الجمع بين نقيضين تحت كلمة ( المفهوم الحدسي) حيث المفهوم مصطلح ينتمي إلى حقل المعرفة المنظمة كالفلسفة والمنطق , بينما الحدس مصطلح وثيق الصلة بالمخيلة التي هي عكس المعرفة المنظمة بالتأكيد؟ لكني اعتقد أن الجمع بينهما يلبي ضرورة للإنسان بوصفه مجموعة من الأنوات المتشعبة في داخله , الأنا الاجتماعية تختلف عن الأنا الفردية عنها عن الأنا الأسطورية.. وهكذا , ولا يمكن عزل الواحدة عن الأخرى في محاولة فهم ما ينتجه هذا الكائن الغامض . يقول الشاعر صلاح ستيتية في هذا الخصوص « تعمل الفلسفة على تنظيم الفوضى الكونية . ونحن بحاجة ماسة للنظام , ولكنني أعتقد أن الشاعر بحاجة للفوضى , لكون ما يهمه ليس الحقيقة فقط , بل الواقع أيضا بكل ما للكلمة من معنى , وبالمعنى الذي يكون الحمل فيه وزنا. الواقع الواقعي هو أكثر تشويشا من الواقع الفلسفي . الواقع الواقعي قادر على إنتاج الحقيقة « . والسؤال هنا هل يمكن أن تطمح المعالجات النقدية كي تصل إلى هذه الفوضى التي يمتح منها الشاعر , أم تكتفي بمهمة المفهوم الذي ينظم المعرفة في أذهاننا أولا , وفي علاقتنا بواقعنا ثانيا؟.