محمد الحرز
بعض القراء الذين تأتيني ردود أفعالهم, وكذلك بعض الأصدقاء, يصفون كتاباتي بأنها تتسم بالنخبوية, كونها أولا لا تركز على الظواهر الاجتماعية في الواقع اليومي مباشرة, ولا ما تنتجه من سلوك خاطئ تصل في بعض الأحيان حد الظواهر المرضية التي تهدد سلامة وأمن المجتمع واستقراره. وكوني ثانيا أهتم- حسبما أظن من تأويلي لردود هذه الأفعال- بتحليل الأفكار التي ترتبط بالمفاهيم والقيم من موقع قناعتي التي تقول : إذا ما أردنا أن نفهم ثقافتنا في صفتها الشمولية علينا أن نعرف موقعنا منها من جهة , وموقفنا منها من جهة أخرى , وهذا لا يتأتى ألا بفهم التصورات والإدراكات الكامنة في أذهاننا كأمة تدرك نفسها من خلال ارتباطها بتاريخ هذه الثقافة , رغم التباين الواضح بين المجتمعات العربية فيما بينها حول خصوصياتها الجغرافية والاجتماعية . وأول مقاربات هذا الفهم تبدأ في ظني من إعادة الاعتبار للخطابات الفلسفية التي لها قدرة كبيرة على تحليل تلك التصورات والإدراكات وما يرتبط بها من مفاهيم وقيم , تشكل في مجملها ترجمة حقيقية للصفات الفردية والاجتماعية للثقافة العربية الإسلامية . وهذا الخيار من القناعة الفكرية تتيح لي البحث وتأمل الوحدة في إطار التنوع , والمؤتلف في سياق المختلف . وهو خيار يتيح لي من جانب آخر الذهاب إلى أقصى حد ممكن في استثمار كل منتج إبداعي أدبي وفكري فلسفي وتاريخي وعلمي ,لأنه في نهاية المطاف , هذا المنتج هو وثيق الصلة - بصورة أو بأخرى- بتلك التصورات محل التحليل والاهتمام . أليس الكشف عن هذه القناعة أمام القارئ هو نوع من التواطؤ الضمني , أو الموافقة المبطنة مع الرأي القائل بأني واحد من الكتاب النخبويين ؟! ربما يكون ذلك من جهة , ولكن من جهة أخرى أظن أن الكاتب لا يملك خيارا في الطريقة التي يتشكل من خلالها وعيه الفكري والأدبي , الظروف المحيطة هي التي تحدد ذلك , وتحدد أيضا بنسبة كبيرة الموضوعات التي تقفز في ذهنيته كهاجس يلح تنتظر من يكتبها في لحظة معينة . الظروف المحيطة ليست سوى التكوين الروحي والنفسي والاجتماعي والعقائدي للكاتب , وما يتصل بهذا التكوين من عوامل سياسية واقتصادية تسيج حركة الكاتب من العمق , أي دون أن نعي هذه الحركة , لأنها تصدر عن لاوعي ضارب في الجذور, ومهما اقتربنا منها كي نفهمها , فإنها تنفلت من أيدينا مثل الماء . لذلك محاولة فهم أي كاتب وتوصيفه من خلال ثنائية ( النخبوي/ الشعبوي) لا تطابق واقع الحال , لأن خيارات الكاتب فيما ينتجه من أعمال , في أغلب الأحيان , لا يتحكم فيها الوعي بالضرورة , بل اللاوعي هو الذي يدير الدفة في أي اتجاه يريد, وليس معنى ذلك أن يفقد الكاتب إرادته الذاتية الحرة تماما , بل نريد أن نلفت النظر إلى أن عملية القراءة والكتابة أكثر تعقيدا مما نظن .بعضهم يقول أن هذه الحالة أي ( تحكم اللاوعي) تنطبق فقط على النصوص الإبداعية, لكني أعتقد أن كل نص يتحدى التاريخ هو في العمق منه نص إبداعي . هو مثل الريح حين تعبر , لا تقف على الشجرة , لكنها تترك أثرا فيها . عموما المرحلة التي ينبغي مساءلتها حول اهتمامات الكاتب فيما يتعلق بنوعية المواضيع التي تنشر له, تكمن في مرحلة التكوين الثقافي وما يصاحب هذا التكوين من استعداد نفسي وذهني وجسمي , يكون بمثابة الحافز الذي يدفع بالمرء كي يظن أنه عنده أشياء يريد أن يوصلها إلى قارئ ما من خلال الكتابة. وهي مرحلة يكون فيها المرء مملوءا بالأسئلة والهواجس على غرار الطفل الذي يضجر ذويه بالأسئلة الطفولية كلما صدمته دهشة الأشياء من حوله . سمَتُها أيضا القلق لأن المغامرة في دروب المعرفة هي من طبيعتها , والضياع هي أقرب منها إلى سلامة الوصول , والتيه في البراري هو الاختبار الحقيقي لها؛ كي تصل لاحقا إلى ما يشبه حالة « النيرفانا» في عالم الثقافة . جميع من عبروا هذه المرحلة من مبدعين ومفكرين وفلاسفة وصلوا إلى مرحلة « الطهارة» - إذا جاز لنا استخدام هذا المصطلح الصوفي- في التفكير والأحاسيس الكونية والإنسانية لأنهم اجتازوا المستنقعات , وتخطوا العواصف , ولم يصبهم أذى الطريق , ولم يتركوا في وسطه سوى علامات شرودهم , وتساؤلات آلامهم , وبعض من أسرارهم التي كبرت فوق أكتافهم , ولم يجدوا بدا , بسبب وطأتها على الجسد , أن يتركوها كإشارة للغرباء الذين يأتون من بعدهم . خذ على سبيل المثال الشعراء حيث يمكن الاستدلال بالقصة الطريفة المشهورة للشاعر الهندي طاغور ومفادها» أن فقيرا هنديا أمضى حياته يبحث عن الحجر السحري الذي يحول جميع المعادن إلى ذهب , وراح يتجول من مكان إلى آخر يجمع الحجارة ويختار بعضها ثم يضع ما يختاره في زنار عريض من النحاس , ربطه حول وسطه , بعد أن يحك الحجر بالنحاس , واستمر في بحثه سنوات طويلة حتى اجتمع لديه عدد كبير من الحجارة , وذات يوم فوجئ بان الزنار النحاسي قد تحول إلى ذهب, ولكن بفعل أي حجر , وفي أي مكان , لم يتمكن من التحديد «. ويمكن في هذا الإطار الاستشهاد بعشرات الأمثلة والقصص من حياة هؤلاء الذين حولوا حياتهم إلى بحث دائم لا يهدأ ولا يقر له قرار. لكن الشاهد في الأمر كله هو الوصول إلى الحقيقة التالية : أننا ككتاب لا نستطيع ترويض الكتابة مثل حيوان أليف , ففي كل ما نكتبه هناك بالتأكيد جزء مطمور يتمرد على إرادتنا الكتابية , ويقول بعض الأحيان عكس ما نريد قوله . هذه الطبيعة موجودة في كل الأجناس الكتابية , سواء صنفنا هذه الكتابة نخبوية , أو تلك شعبوية , لا يهم , المهم هو أن ندرك أننا نتعامل مع « غول» اسمه الكتابة, يصارعنا قدر ما نحاول أن نصرعه , يترك فينا جرحا غائرا بالقدر الذي نكسر ضلعا واحدا من جسده . ربما يشعر القارئ هنا أنني استخدم التعبير المجازي في وصف مثل هذه المرحلة التي يعبرها الكاتب - ولست أعني هنا كل من تطفل على الكتابة- لأن غموض هذه المرحلة , وما يرتبط بها من أسرار وهالات قدسية , هو غموض ينسحب على كل لغة تحاول التعبير عنها , وكأننا أمام تجربة صوفية تنعدم فيها الحدود بين اللغة من جهة , وبين واقع التجربة من جهة أخرى . لكن لأكن صادقا مع نفسي ومع القارئ , هل يمنع هذا التبرير الذي سردته من طمس تساؤلات مشروعة تتعلق بالهم اليومي الذي يتلمسه المواطن في حياته اليومية من قبيل الغلاء المعيشي , الوضع الصحي , معدل ارتفاع الجريمة , الأزمات الأخلاقية والاجتماعية للشباب ,أزمة البطالة والسكن , القضاء على المعدلات المرتفعة للفقر والأمية, الحاجة إلى تحسين الطرق والمواصلات , القضاء على بيروقراطية الدوائر الحكومية ... ألخ ؟ بطبيعة الحال لا يمنع هذا ذاك , ولا يدخل في باب التعارض أو المفارقة , خصوصا إذا كان هناك من الكتاب من يشبع هذا الجانب مساءلة وفحصا وتحليلا . وإذا كان المواطن يرى أن من واجب الكاتب أن يعبر عن همومه , وأن يضع مشاكل المجتمع اليومية على عتبة أصحاب القرار بشكل واضح وصريح, فإن الخيار للوصول إلى هذه العتبة تبقى في نهاية المطاف تحت تصرف الكاتب نفسه , فالطريق التي يتخذها متعددة , وتتوقف على طبيعة رؤيته للأمور . ما معنى ذلك ؟ معناه , على سبيل المثال إذا كان الكاتب مقتنعا بأن الأزمات السياسية اليومية , وكذلك الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والأدبية هي جزء من الثقافة لأنها هي الأساس التي تنتج النظام الذي يدير جميع هذه الأزمات, فعندما يسألني أحدهم : لماذا لا تكتب عن شوارع الأحساء المتهالكة؟ أسأله بدوري : لماذا لا نكتب عن ثقافة الأمكنة من خلال علاقتها بمفهومي : الوطن والدولة ؟ انه مجرد خيار مثقف حسب طبيعة الرؤية السابقة , لأن تكويني الثقافي يبدو لي هو هكذا.