محمد العصيمي

محمد العصيمي

نحضر مؤتمرات دولية فنجد السعوديات إلى جانب السعوديين في قاعة المؤتمر، حيث لا فرق بين ذكر وأنثى إلا بحجم الحضور والمشاركة وفعالية المداخلات والحوار. ثم نحضر مؤتمرا محليا فنجد فروقا لا تحصى، ليس أقلها الدائرة التلفزيونية المغلقة والفصل بين مداخل القاعات وسماع أصوات بعض عبر مكبرات الصوت المرسلة من القاعات النائية. لست أفهم حقيقة ما الذي سيحصل إذا اجتمع رجل وامرأة في قاعة مؤتمر فيها العشرات، وأحيانا المئات من الناس المشغولين بأنفسهم ومواضيعهم وتطلعاتهم لتحقيق الفائدة القصوى من الحضور؟!!أكثر من ذلك يَشترط محاضر سعودي إذا كان سيلقي محاضرة داخلية دائرة مغلقة وحاجزا مغلظا أمام وجوه النساء. وإذا شارك في مؤتمر دولي خارجي جلس بجانب امرأة، زميلة له في الجلسة وهو يوزع مرئياته وابتساماته بمنتهى الانشراح. والأغرب، إذا شئتم، أننا نحضر مؤتمرا محليا يأخذ فيه كل من الرجال والنساء جزرا منعزلة، ثم تلتقي الوجوه أو العيون، نسائية ورجالية، في بهو الفندق ويحصل النقاش والمداولة فيما كان يطرح قبل قليل عبر مكبرات الصوت من جزر الواق.إذن المسألة محض شكلية تستجيب لمعطى اجتماعي شكلي أيضا. وينطبق عليها ما ينطبق على مسألة البائعات النساء في المحلات الخاصة بمستلزمات النساء. يتعثر مثل هذا القرار لأن المعطى الاجتماعي (الرمادي) يستصعب وقوف امرأة في محل تبيع النساء أغراضهن، مع أن نفس المرأة تدخل السوق وتتبضع وتحتسي قهوتها مع زوجها أو صديقاتها والأمر عادي جدا. ولذلك لم يكن سهلا على بطيء الفهم من أمثالي أن يفهموا الفرق بين امرأة تبيع في محل تجاري وأخرى تتبضع منه حاجاتها.ونفس بطء الفهم يقع على المرأة التي يجوز أن أراها في السوق تتبضع أو في المستشفى تتطبب ولا يجوز أن أراها في قاعة مؤتمر تتعلم وترتقي بمفاهيمها العملية ومهاراتها. المرأة في السوق أو في المستشفى تحضر منقبة وغير منقبة، عباءتها على كتفها أو فوق رأسها، تكشف القليل من شعرها أو تغطيه بالكامل، وهو ما يحدث بالضبط في قاعة المؤتمر، إذ لا أحد يقف عند باب القاعة ويطلب من المنقبات أن يكشفن وجوههن أو من المحجبات إرخاء أغطيتهن. كل امرأة تحضر بالشكل الذي هي عليه ومقتنعة به والكل يحترم خيارها ويعتبرها (حاضر) للمؤتمر بهدف الاستفادة منه وليست (حاضرة) يفترض أن يتم التعامل معها بشكل خاص أو استثنائي. وإذا كنتم تعرفون امرأة منعها المنظمون من دخول قاعة مؤتمر لأنها منقبة فدلوني عليها، وأنا كفيل بأن أضع من منعها أمام المحكمة وأكون خصمه اللدود.ليست المرأة قاصرا فنخاف عليها من اجتماع عام فيه نساء مثلها ورجال راشدون. وما نتابعه من حضور المرأة السعودية في مؤتمرات دولية كبرى ومهمة يؤشر إلى مدى ما تتمتع به من مسؤولية ورشد في العقل والمنطق والمداولات مما لم يبلغه كثير من الرجال. لا يستطيع أحد أن يسلب امرأة ورقة عمل ناجحة في مؤتمر لأنها تحضر المؤتمر في الكرسي المجاور لرجل. ولذلك أعتقد، والرأي لكم، أن ننظر للأمر بموضوعية أكثر، ونتجنب الحكم على الأشكال، التي تضيع في طريق الحكم عليها العديد من الفوائد التي يمكن أن تجنيها نساؤنا وبناتنا. ولكيلا تعتبروني متعسفا أو متجنيا في رأيي على ما تحسبونه ثوابت، أعطوا أنفسكم وأعطوني فرصة للتأمل في هذا الموضوع. قلبوه على مختلف وجوهه لتكتشفوا مكامن المنطق واللامنطق فيه. ولا تستعجلوا في الحكم، فالعجلة تورّد الظنون، وكثير منها أو بعضها إثم. وإن كنت لا أتمنى لنفسي الإثم فإنني لا أتمناه لكم. كل ما أريده أن نفيق على واقعنا ونتجاوب مع متغيرات العالم من حولنا، من غير أن نفقد شيئا من ثوابتنا، مع احترام ثوابت الآخرين، بطبيعة الحال.وفقنا الله.osaimin@yahoo.com