محمد العصيمي

محمد العصيمي

الحمد لله أن العم إبراهيم طرق باب بيتنا في المرقب بالرياض إبان عصر الستينات السحيق وطعمني ضد الحصبة، مع أنني أشك بأنه نغزني تلك الإبرة العنيفة ضد الجدري وليس الحصبة، التي يقال إنني أصبت بها وشفيت منها بتعاويذ الذين يمرون علي وأنا ملقى مثل ذبيحة صغيرة يلقون أدعيتهم وهم مسرعون هاربون من هذا الموبوء الذي لا يرجى شفاؤه. الآن لو شاهد هؤلاء كيف كبرت كرشي وانتهضت أكتافي لربما تعجبوا من قدرة الخالق الذي وضع كل هذا الشحم فوق ذاك العظم الواهن. ولربما أصابهم التفاؤل في برء أطفالنا الذين فاجأتهم الحصبة على غير توقع، ومنهم من رحل، شفّع الله به، ومنهم من لا يزال يأمل أهله بشفائه وعودته إلى مدرسته وضحكاته.ما يثيرني في مسألة الحصبة هذه التي غزتنا في عصر التطعيمات المنظمة والمستشفيات الفخمة والإمكانات الكبيرة، هو كيف عبرت بمثل هذه القوة إلى أجساد صغارنا دون أن يرف لوزارة الصحة جفن؟ لا نقول إن الوزارة طنشت الموضوع، لكن لأنني على الأقل لم أقرأ تفسيرا لما حصل حتى الآن، أستطيع أن أكون ناقلا أمينا لرأي المواطن فيما حصل. المواطن، يامعالي وزير الصحة، يرى أن وزارتكم الموقرة نامت في العسل وتركت هذه الدابة التي تدعى (الحصبة) ترتع على هواها حتى وقع الفأس الهائل في رؤوس الأطفال وأهاليهم.ربما يكون لديك، يا معالي الوزير، مبرر لكيفية انتقال مثل هذه الوباءات مما لا تملك معه الوزارة حيلة، وستجد في دول أخرى أمثلة سهلة على ذلك. وقد نجد للوزارة العذر إذا أعطتنا مثل هذا التبرير، لكن سيصعب علينا تبرير تقاتل الناس على اللقاحات غير المتوافرة بصورة كافية، واستمرار شخير الوزارة في الوقت الذي يطلب فيه الناس فهما لما حصل وكيف يتعاملون معه. كان على الوزارة في الحد الأدنى ألا تنام قبل أن يعي كل مواطن الموضوع ويعرف كيف يتعامل معه، سواء أكان لديه أطفال مصابون أم غير مصابين. نعرف أن ظهور معالي الوزير في وسائل الإعلام وظهور أركان وزارته كثيف ومبرمج فيما سبق من احتفالات وتدشينات وتصريحات، ولا نفهم لماذا هبط مؤشر هذا الظهور بمجرد أن أطلت الحصبة بقرونها وبدأت تنطح بقسوة أجساد فلذات أكبادنا. يبدو أننا، بالرغم من تفاؤلنا بتغير سلوك المسؤولين تجاوبا مع واقعنا ومتطلباتنا، لا نزال نعيش السلوك ذاته: المسؤول الذي يطل علينا متأنقا وفصيحا إذا كان هناك إيجابيات يستعرضها ويراهن عليها، وهو ذاته المسؤول الذي يغاب عن المشهد العام إذا حلت ببلاطه مصيبة تتطلب التعامل معها بشجاعة.لم يكن ليضير أحد في وزارة الصحة أن يخرج للناس، وليكن هذا الخروج كل يوم، ليقول لهم الحقيقة كما هي، بدلا من أن يتركنا نتخبط في التفسيرات، إلى درجة تخيل رجل قادم من خارج الحدود حمل معه دابة الحصبة وأصاب الأسرة التي زارها، لتصيب هي بدورها من تخالطهم. وهكذا دخلنا من بوابة مسألة الدجاجة والبيضة: أيهما أولا؟ إن منظر الناس وهم يتزاحمون مرعوبين من أخبار هذا الوباء مؤسف جدا، ولا يدل على أننا دخلنا عصرنا الحديث. وأن ما لدينا من استعدادات هو محض شكليات تستر المزيد من العيوب التي تضرب أطنابها عميقة في أرض بعض الوزارات. وهو الأمر الذي يستدعي أن نصرخ بأوجاعنا ليلتفت هذا المسؤول أو ذاك ويتحمل مسؤوليته ويفسر ما حصل تفسيرا واضحا لا يقبل تأويلا أو اجتهادات، ثم إذا كان مخطئا جرت محاسبته على الملأ وإذا أصاب جرى تكريمه أمام نفس الملأ. تحملوا مسؤولياتكم وفسروا لنا علميا وعمليا لماذا تركتم دابة الحصبة تنهش لحم صغارنا أو اعتذروا عن أخطائكم ليغفر الله لنا ولكم. ولا تنسوا على نفس الطريق، طريق التفسير والاعتذار، موضوع انفلونزا الطيور المكتشفة في المنطقة الشرقية، الذي وصفتموه بأنه عالي الضراوة، ووضعتم أمامنا بصدده معادلات رياضية لا يقدر على فك رموزها إلا الراسخون في الطب البيطري. osaimin@yahoo.com