محمد الحرز
حدثت في أوروبا تحولات فكرية وثقافية وصلت في نظر أغلب الباحثين إلى حد القطيعة , بين ما تمثله القرون الوسطى من فكر ظلامي , وبين ما يمثله عصر النهضة والأنوار من فكر تنويري تقدمي , وهو بالتأكيد تعبير مجازي للدلالة على سرعة التحولات المعرفية وتشظيها في كل الاتجاهات بحيث يصعب الإمساك بحركتها وكذلك سرعة انتشارها كإيديولوجيا بالقوة تارة وبسحر المعرفة وتأثيرها على المجتمعات والشعوب تارة أخرى .. ليس هنا محط اهتمامنا , فهذه المسألة لا يختلف عليها اثنان , لقد دخلت في حكم البديهيات , والمفكرون أجمعوا على أنها تطور طبيعي في الفكر الغربي ضمن ثنائية ( الذاتي والموضوعي), فقد يحدث في فترة من الفترات أن تتسيد الساحة نظرية معينة أو بنية معرفية أو قيمة محددة أو قضية ثم يتم استنفاد طاقتها إلى أقصى حد ممكن بحيث يشعر المجتمع الفكري والعلمي معها بأنه بحاجة إلى نظريات أخرى تلبي نهمه نحو المعرفة واجتراح المجهول رغم ما يتخلل ذلك من تناقضات يمكن الإشارة إليها من خلال العلاقة بين الوجودية والبنيوية « فالوجودية هي فلسفة الذات , فلسفة الصبوات الذاتية , وما لا يمكن التعبير عنه , وما لا يدخل في الضبط الاجتماعي , بعد مرحلة معينة قامت البنيوية بحركة موضوعية خالصة لا تهتم بالجانب الذاتي بقدر ما تهتم بالجانب الموضوعي , وبالبنيات والمحددات البنيوية في اللغة والتاريخ. والبنيوية هي رد فعل ضد المبالغة في تقدير الذات والذاتية كما فعلت الوجودية.. بعد ذلك تأتي الحركة التفكيكية , لماذا ؟ لأن البنيوية بالغت في النظام وإبراز النظام والتبنين والعلاقات الرياضية المنتظمة بين الظواهر.. تأتي التفكيكية لتعيد للجزء قيمته , لتفتح منظورا معرفيا جديدا .. هذا هو القانون الذي يحكم الفكر وربما يحكم التاريخ على رأي أحد الباحثين العرب» ربما وضع الفكر الغربي في سياق تطوره التاريخي يفضي بنا إلى هذه النتيجة وهي مطلوبة بالتأكيد , لكن دون أن نغفل جدلية هذا التطور مع الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي ظهرت من خلالها وأخذ سماته منها.. لا نريد الاسترسال في هذه النقطة حتى لا نخرج عما نريد قوله في هذه المقالة , فما يهمنا من كل هذا, هو الوقوف على السؤال التالي : أي أثر تركته سرعة التحولات في الفكر الثقافي الغربي على الحياة الفكرية في الثقافة العربية الإسلامية.. وكيف يمكن قراءته من منظور شمولية الدراسات المقارنة : أي تاريخي , وسوسيولوجي , وفكري وأدبي , واقتصادي , وسياسي ؟ الإجابة عن هذا السؤال بهذا الحجم تشكل مشروعا داخل الثقافة العربية , ما زال بعض المثقفين والباحثين يطرحون آراءهم حوله من مناظير مختلفة , ومن قناعات فكرية متباينة تصل أحيانا لحد التناقض فيما بينها , بسبب تناقض الفكر الغربي نفسه من العمق ( ما أعنيه بالتناقض هنا هو التناقض كمفهوم يمس بالدرجة الأولى حقل الأفكار من جهة , وقيمة هذا المفهوم داخل حقل التصورات والإدراكات في ذهن الباحث أو المفكر عند تحليله للواقع التاريخي والثقافي والاجتماعي لأي مجتمع من جهة أخرى) . هذه النقطة تحتاج منا إلى وقفة وتأمل , لأن الكثير من الباحثين العرب لم ينظروا بعين الاهتمام إلى شكل العلاقة البنيوية بين ما يحدث من تناقض هنا ( الشرق) , وبين ما يحدث من تناقض هناك ( الغرب) , وذلك من خلال صياغة مفهوم جديد حول كلمة « تناقض» ومحاولة توسيع حقله الدلالي كي يتم استيعاب التاريخ المشترك بين الجانبين ضمن رؤية فلسفية تاريخية - قد يتبادر إلى أذهان البعض أنها المطالبة بالعودة إلى الفلسفات الكبرى التي تحررت منها أوروبا منذ القرن التاسع عشر. أقول : لما لا يكون ذلك عندنا فنحن ما زلنا نبحث عن البدايات وليس النهايات كما يقول حسن حنفي في إشارة إلى الغرب - أجد أنها تؤدي وظيفة تحررية من جميع الاستقطابات التي تقوم بها الخطابات الإيديولوجية سواء الفكرية منها أو السياسية لتأبيد الصراع بين الجانبين تحت تأثير شعار زائف هو التعارض التاريخي والديني والاجتماعي بين التجربة الحياتية لشعوب الشرق من جهة , وبين التجربة الحياتية لشعوب الغرب من جهة ثانية . لقد كانت أغلب الدراسات المهتمة - سينصب اهتمامنا على الجانب العربي - في هذا السياق ركزت في مقارباتها وتحاليلها على إبراز جانب من هذا التعارض , ومن ثم تحويله إلى ما يشبه جدار برلين , أو سور الصين العظيم في تكريس العزلة أو التباعد .. وسوف أركز هنا كمثال على مسألة واحدة , ألا وهي مسألة الديمقراطية في نظر بعض الكتاب , هناك آراء متضاربة حولها ومتباينة , لكن أغلبها تشترك في المنطلقات التي تتأسس عليها رؤيتها للمسألة نفسها, وأحد أهم هذه المنطلقات هو وجود تصور مبني على مقولة التعارض المطلق بين الحضارة المسيحية من جهة , وبين الحضارة الإسلامية من جهة أخرى , لأسباب يرى البعض أن التجربة الدينية لكل حضارة هي السبب الأهم , والبعض الآخر يراها في الصورة العدائية المستحكمة في ذاكرة كل منهما , وهكذا إلى آخر الأسباب .. بعض الآراء التي تدخل ضمن هذا التعارض تقول بالفصل بين الديمقراطية كرؤية وفلسفة عمادها الحرية , وبين الديمقراطية كآلية وتقنية للتداول السلمي للسلطة , ترفض الأولى في المجال الإسلامي لأنها تهدد السمات العامة للهوية الإسلامية , بينما تقبل بالأخرى كونها لا تمس تلك الهوية , وكونها كذلك حققت كما يقول بعضهم على صعيد التجربة خصوصا في إيران تجربة قابلة لأن تتطور ديمقراطيا رغم التعثرات التي تطالها من جراء الحكم الشمولي لولاية الفقيه .. ينتظم تحت هذا الرأي الكثير من المفكرين الإسلاميين , منهم راشد الغنوشي , محمد سليم العوا , محمد حسين فضل الله وغيرهم , بل إن الكاتب الإسلامي محمد عمارة ذهب إلى القول إن الشورى قد لا تتميز عن الديمقراطية الغربية في الآليات والمؤسسات والخبرات بل هي في الواقع تتميز في فلسفة الحرية أيضا. وهناك كتاب آخرون يربطون الديمقراطية بغياب التنمية الاقتصادية في الوطن العربي , وآخرون بغياب التربية المواطنية, وغياب ثقافتها .. بالتأكيد جميع هذه المقاربات لها وجاهتها , وأسبابها المنطقية والتحليلية حيث لسنا هنا في صدد إصدار أحكام قيمية حولها, أو الاعتراض على مقترحاتها .. لكن أليس من المشروع التفكير في أفق معرفي ينظر إلى تلك الحضارتين طبقا للقائلين بالحضارة المتوسطية ؟ نحن نعلم تماما أن هذه المقولة قد تم توظيفها إيديولوجيا في خطابات بعض المثقفين العرب كسلامة موسى وطه حسين , وحتى بعض الأحزاب السياسية التي تأسست في الثلاثينات والأربعينات .. لكن ما أنتجته تلك الحضارة من أساطير ما زالت تذكر شعوب هذه الحضارة رغم صراعهم التاريخي والديني والعقائدي بأنهم مشتركون جميعا في إنتاج المعنى الذي سور حياتهم عبر آلاف السنين .. ضمن هذه النظرة إلى الحضارة المتوسطية يقول صلاح ستيتية - الشاعر اللبناني - في معرض حديثه عن ملامح هذه الحضارة « هناك أسطورة ولدت في اليونان التي هي بصورة ما رحم يلد الأساطير التي تكون قد تجمعت فيه من فضاء المخيلة .. سامية كانت أم غير ذلك. الأسطورة هي أسطورة نرجس العاشق لصورته والذي يدأب على تأملها في الماء لدرجة أن تمتصه ذاته ويضيع فيها .. إنني أرى في ذلك تصويرا للافتتان بالذات والاكتفاء الذاتي اللذين يسمان الشخصية المتوسطية.. فمهما تكن الاثنية التي ينتمي لها المتوسطيون , أو يكن المعتقد الذي يؤمنون به , يشعرون على الدوام بأنهم ينتمون إلى شعب مختار , فيشعر إنسان هذا الشعب بأنه مادة للاصطفاء منذ زمن تعدد الآلهة وحتى التعرف إلى الله الواحد .. والمتوسط شغوف بهذا النمط من الاصطفاء أو الانتخاب سواء كان للأسوأ , أو كان للأحسن أحيانا , كما هي حال الديمقراطية المتولدة ، هي أيضا في المتوسط بالجمع هذه المرة «. أيمكن اعتبار هذا النوع من التحليل مجرد هذيان , أم أنه نوع من اليوتيبيا للهروب به من واقعنا المأساوي ؟ ربما هذا وربما ذاك , لكن الأكيد ونحن نقرأ مثل هذا التحليل هو الإحساس بالتوحد مع البشر إنسانيا !!.