محمد العصيمي

محمد العصيمي

لا أدري لماذا اختارني رئيس التحرير لأنوب عن محمد عبدالواحد في كتابة هذه الزاوية. ربما رأى بيننا وجه شبه، شكليا أو موضوعيا. أو ربما قال في نفسه العصيمي خالي شغل وبالتالي دعنا نشغله في هذه الزاوية الخالية لارتباط كاتبها بظرف خاصِ. المهم هو أن الكتابة لكم معشر القراء، بأي صورة كانت، تبعث في قلمي السرور وتمنحني كل مرة فرصة جديدة للتواصل معكم تختلف عن سابقتها في حرارتها وحضورها.يسألني بعض الأخوة والأخوات لماذا أنت مقل مؤخرا في الكتابة الصحفية. ومنهم من يقول عن ثقة مقدرة ومشكورة إننا نفتقدك بينما تكتظ الصحف بمن هم أقل حظا وموهبة، على اعتبار أن صحفنا صارت تدفع كل يوم بالعشرات من الأقلام الجديدة التي تلقي بالقديمة على أقرب رصيف بعد أن تأخذ مكانها في صفحات الرأي والزوايا التي أصبحت أكثر من الهم على القلب. ولهؤلاء المريدين، الذين يمنحونني ثقتهم وتعاطفهم، أقول إن الكتابة الصحفية مسؤولية عظمى وأنا من الذين يُقدرون هذه المسؤولية حق قدرها ويتعبون في سبيل أن تأتي على مستوى توقعات القارئ الذي ينظر إلى الكاتب باعتباره محاميه،الذي يذب عن حياضه الفكرية والثقافية، بل وحياضه اليومية في عمله ومعاشه وهموم بيته وحياته.حين بدأت الكتابة الصحفية، ولتتحملوا هنا غلاستي التاريخية، اخترت أن أكون كاتبا ملتزما على طريقة الفنانين الملتزمين. وقتها، أي قبل ثلاث وعشرين سنة تقريبا، اختصر لي أستاذي تركي السديري مقالة كانت بحجم تركي الدخيل سابقا لتصبح بوزن عارضة أزياء أوروبية، لكي لا أقول عربية فتضحكون علي. فالعربيات، كما أعلم وتعلمون، حتى بعد التحول إلى عارضات أزياء، تبقى أردافهن مكتنزة بحكم جينات الحكمة العربية القائلة: إن أجمل النساء أطولهن إذا قامت وأعرضهن إذا جلست. وربما أضيف من عندي ما كان يردده جدي، عليه رحمة الله، حين يطيب له الحديث عن المرأة الجميلة فيصفها بأنها من لا يُسمع صوتها إذا حكت ولا تكاد تصل إذا مشت وبالكاد تظهر أسنانها إذا ابتسمت.ولكي لا تأخذني حكايات جدي الكثيرة عن المرأة بعيدا عن موضوعي أقول إن مقالتي تلك، التي اختصرت على يد جهبذ من جهابذة صحافتنا، علمتني أمرين مهمين في الكتابة الصحفية وهي أن أختصر وأن أحترم القارئ فيما أريد أن أخاطبه به لكي أحتفظ به وباحترامه. أذكر أن أستاذي الأول في الصحافة قال ونحن نناقش اختصاراته القاسية أنت (غر) في عالم الصحافة ولا بد أن تتعلم الاختزال والمسؤولية فيما تكتب. وبرغم حزني الشديد على مئات الكلمات التي طارت بجرة قرار منه تعلمت مع الوقت أن بيد القارئ دائما غربال (منخل) يسف به فوائض الكتاب وكلماتهم الزائدة وأفكارهم السمجة. وبالتالي يصبح لديه، أي القارئ، خبرة في الأسماء التي يتوقف عندها والأسماء التي يمر من أمامها مرور الكرام. والقارئ، الذي هو أنا وأنت، قاس في أحكامه وصياغته لقائمة الكتاب الذين يحترمهم، حتى أنه لا يتردد بإطلاق النعوت على هؤلاء الكتاب بين كاتب ممتاز وكاتب (لك عليه) وآخر مصاب بالإسهال مثل عمنا نجيب الزامل، وكاتب تافه يستخف دمه مثل خالنا فلان الذي يروي لنا من حكاياته مع المطاعم والقطط أكثر مما يحدثنا عن مسائلنا المستعصية والمتعثرة والمصابة بالأوجاع والتخلف.أما الكاتبات، إذا أردنا التأنيث، فحدث عنهن ولا حرج، خاصة إذا تعلق الأمر بمسألة فكرية لم يقدر أساطين الفلسفة القديمة والحديثة على فك رموزها. تتفاصح بعض كاتباتنا القديمات والمستجدات تفاصحا يصيبك بالغثيان من شدة سماجته وضحالته وهوانه على عالم الكتابة الصحفية. وقد اكتشفت لكم بحكم الخبرة والتجربة كشفا عظيما بحق بعض كاتباتنا المتسلقات للزوايا وصفحات الرأي. تهاتف إحداهن وتبدي بعض التحفظ والانتقاد لما كتبت فتصيبك غضبتها بنوبة قلبية كأنك تجرأت على سمير عطاالله أو تركي الحمد، مع أن الاثنين، وهما علمان بارزان، تعرضا لعشرات المتحفظين والمنتقدين ولم يصيبا أحد بغضباتهما كما تفعل (كويتبات) البارحة. والآن، بعد أن عبأت هذه الزاوية أرجو أن يكون رئيس التحرير قد بلغ مقصده من استضافتي بها لغياب صاحبها. وأرجو أن تكونوا أنتم قادرين على هضم ما سبق، بعد أن أصبحنا كقراء نصاب يوميا بعسر هضم جراء ما يُلقى في رؤوسنا من سذاجات الكتابة وأدران التفاصح وتفاهات الرأي.