محمد الحرز

محمد الحرز

الوضع المأزوم والمأساوي الذي يعيشه الاجتماع السياسي العربي بين ما نشهده من مظاهر العنف والاقتتال في العراق من جهة , وبين مظاهر السجال والاحتقان والجدل السياسي وانسداد آفاقه القائم حاليا في لبنان على خلفيات حرب تموز , وكذلك على خلفيات المحاور الخارجية التي تستقطب الحركات السياسية في الداخل اللبناني.يضاف إلى مأساوية هذا المشهد مشهد آخر وثيق الصلة به , وبما يفرزه من تصدعات وانشقاقات تطال بنية الموروث الثقافي والاجتماعي للأفراد والمجتمعات العربية , لا لتزيحه أو لتفككه تحت وطأة الفعل النقدي الثقافي , وإنما لتعيده إلى سطح الأذهان أكثر فاعلية في تحريك سلوك الفرد جهة طائفته أو قبيلته .............أو جهة عقيدته الإيديولوجية , إنه نوع من الاستقطاب للهوية .. واستدعاؤها يتم بأبشع صورها في الحياة الثقافية والفكرية , يوازي الاستقطابات التي تحدث على مستوى الحياة السياسية.. أليس في مواقف بعض المثقفين العرب ما يؤكد على هذه الحالة ؟ بل نجد في مثل هذه المواقف نوعا من المزايدة , لا تؤدي إلا إلى ترسيخ الذهنية الاصطفافية , وتعميق الفجوة بين مختلف فئات المجتمع .. وما يجعل هذه المواقف أكثر تأثيرا وأكثر فاعلية هو المساندة الكبيرة التي تلقاها من أغلب الفضائيات العربية التي استطاعت بنجاح باهر توظيفها واستقلالها لصالح الخطابات والأحزاب السياسية المهيمنة على السلطة في الوطن العربي.. لذلك يندر في حالة الباحث والمفكر المستقل أن ينزلق إلى مستوى تأثيرات مثل هذا التوظيف أو الاستقلال , لسبب بسيط , يكمن في مستوى أول , في طبيعة خطابه الفكري الذي يتسم بعمق تحاليله , وعمق لغته ( ولا نعني هنا سهولة الأسلوب الكتابي أو صعوبته بالنسبة للقارئ) , الأمر الذي لا يتلاءم وهذا المستوى من العمق الفكري مع ما تحتاجه برامج الفضائيات الثقافية والسياسية والاجتماعية إلى فكر اختزالي سطحي يسهل إدماجه وتوظيفه في سياق القضية التي يطرحها هذا البرنامج أو ذاك , خصوصا ونحن نرى كيف تحول أصحاب مقدمي البرامج إلى نجوم لا تعنيهم القضايا التي يناقشونها بقدر ما يعنيهم حضورهم الذاتي وانعكاسه على المشاهد من خلال مؤثرات الصورة البصرية والسمعية , وكأن مقياس نجاح هذا البرنامج أو ذاك يعتمد على هذا الحضور ويتوقف عليه بالدرجة الأولى .. أليس في هذا القول حقيقة مؤلمة نعيشها في حياتنا اليومية دون أن نستشعر مكامن الخطر الذي يقود إلى فوضى ثقافية شاملة ؟. أليس الأثر الذي يتركه هذا الأمر هو بمثابة عائق نفسي وروحي وفكري يطال الفرد حين يحاول فهم ما يجري من حوله من تحولات تمس من العمق شخصيته الاجتماعية والثقافية والدينية ؟. قد يتساءل أحدهم لماذا مقدمو البرامج بالذات ؟ أليس الفوضى الثقافية الشاملة وثيقة الصلة بنتائج التحولات التي تقودها ظاهرة العولمة التي تطال جميع النواحي الخاصة والعامة للإنسان , وبالتالي الإشكال المطروح ليس سوى جزء بسيط من أزمة أعمق لا يمكن التعلق بتأثيراتها إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الآثار المترتبة على عولمة الاقتصاد والمعرفة على سبيل المثال. بالتأكيد نحن لا نريد هنا الانطلاق إلى فضاء أرحب في فهم جملة هذه التحولات , لأن الفهم في هذه الحالة يتطلب شروطا ليست قائمة بالنسبة لمجتمعاتنا العربية , من أهم هذه الشروط توافر القوى الاجتماعية الفاعلة والمساهمة بشكل كبير في تكوين وعي اجتماعي وثقافي وتاريخي يأخذ على عاتقه خلخلة البنى الثقافية السائدة , واستجلاب - كذلك - طرق في التفكير والإدراك تتناسب وما يعيشه المجتمع نفسه من تحولات .. هذه مهمة في ظني غالبا ما تتحكم فيها عوامل متداخلة ومعقدة في نفس الوقت , ومن الصعوبة بمكان أن يكون الوعي الفردي قادرا على الإمساك بمسبباتها ومتحكما في مساراتها ونتائجها , ذلك بمجرد فهمها أو تحليلها فقط .. لذلك البدء بالاهتمام بالقضايا الصغيرة التي من فرط حضورها اليومي في حياتنا أصبحت تجري مجرى العادة , وحتى مجرى المسلمات , هي من الأمور التي ينبغي أن يتناولها الوعي النقدي الفردي بشيء من الجدية والاحترام والعمق .. ربما يأتي الاعتراض من كون مقدمي البرامج لا ينسحب على جميعهم الإشكال السابق .. بالتأكيد هذا اعتراض منطقي , لا يمكن القفز عليه أو تجاهله على الإطلاق .. لكن كون الإشكالية تحولت في رأيي إلى ظاهرة لافتة للنظر في إعلامنا العربي , فهذا هو المهم في المسألة , وما يجعلها كذلك هو كون صناعة النجوم في الإعلام كما في الرياضة كما في أزياء الموضة هي من الوظائف الأسطورية التي تنتجها الحضارة الحالية كما بينها رولان بارت في أسطورياته بامتياز. وانطلاقا من هذه القناعة أجد نفسي منساقا إلى تبني رؤيا تحليلية لمثل هذه الظاهرة وذلك في سياقها الثقافي والاجتماعي ( أي ما يسمى بالنقد الثقافي ) , لذلك الانزلاق في ضرب الأمثلة والاستشهاد بهذه الحالة أو تلك من الخطاب الإعلامي بصورة عشوائية يفضي إلى التباسات عديدة , من أهمها سوء الفهم , وتلاشي الاقتراب من الموضوعية .. أما في مستوى ثان من ممانعة المفكر المستقل على التوظيف فيكمن في المواقف السياسية التي يتخذها , والتي عادة ما تكون وثيقة الصلة بفكره , بل ومنسجمة مع قناعاته الفكرية والسياسية .. ما يحدونا إلى هذا القول هو وجود فئة من المثقفين العرب ( التزمنا هنا بعدم الاستشهاد وضرب الأمثلة لأسباب قد تفضي بنا إلى استطرادات لا نحتاجها في هذه المقالة ) تتسم مواقفهم بالازدواجية والتناقض الصارخ بين ما يرفعونه من شعارات تنويرية في أغلب ما يكتبون , وبين ما عُرف عنهم من مواقف أقل ما يقال عنها إنها انتهازية ومتقلبة تارة تجدها يمينية متطرفة , وتارة أخرى يسارية , وتارة أخرى تدعي الاعتدال والانفتاح حسبما يتطلبه الوضع السياسي القائم .. هذا التناقض يحيله بعض المحللين والباحثين إلى ازدواجية القيم والمفاهيم التي تتحكم في بنية الثقافة العربية الإسلامية , وليس انعكاسها في السلوك الاجتماعي والثقافي والتربوي سوى أحد أهم مظاهرها التي تختبئ تحت طبقة كثيفة من القيم التربوية , تلك التي نسميها خطابنا الأخلاقي .. لذلك يذهب هؤلاء إلى تحليل السلوك اللا واعي للدوافع التي تقف خلف مثل تلك المواقف , وذلك للكشف عن تناقضات قيم الثقافة العربية وأثر تكوينها في الوعي والسلوك .. تكمن أهمية هذا النوع من التحليل في رفع الحجب عن العوامل الموضوعية التي تؤثر بصورة أو بأخرى في الفرد كوعي وسلوك من جهة , وفي الخطاب الثقافي كمنتج للمعرفة والإدراك والتصور من جهة أخرى .. لكنه يفتح الباب من جهة أخرى لخطاب تبريري يعفي هؤلاء المثقفين من المسؤولية حيث يبقى العامل الذاتي شيئا ثانويا إذا ما قورن بالأهمية التي تحظى بها العوامل الموضوعية عند هؤلاء الباحثين .. ونجد هنا مصطلحات ومقولات تتداول في مجال الفضاء الثقافي تطابق هذا النوع من التوجه وتشير إليه مثل مصطلح ( التخلف الثقافي العربي ) , أو (عصر الجمود والانحطاط ).. وهكذا غيرها من المصطلحات التي تعم الخطاب الثقافي .. لكن هذا لا ينفي على الإطلاق أهمية مثل هذا التحليل شريطة أن يتحمل كل مثقف مسؤوليته الذاتية تجاه مواقفه الثقافية والفكرية والسياسية , وهذه الأخيرة تتطلب شجاعة أدبية , للأسف يندر وجودها في سلوك المثقف نفسه , وسواء أحلنا الأسباب إلى بنية الثقافة أو إلى ذهنية المثقف , المهم في تصوري هو أن نعرف تماما من خلال النظر إلى التاريخ أن من صنعوا « الفكر الحر» هم من المفكرين الذين يصعب تصنيفهم أو إدراجهم ضمن عقيدة أو إيديولوجيا أو حزب , يكفي أن تجيل نظرك في تجارب هؤلاء لتعرف مقدار ما عانوه في سبيل فكرة أو موقف .. فهل نستطيع العيش دون فكر حر كما يقول أندريه ناتاف ؟!.